لا يتطلب التسامح التأكيد على أن جميع الأفكار صحيحة. بل يتطلب شيئاً أكثر دقة، وغالباً ما يكون أكثر صعوبة: السماح للمرء بتبني قناعة نراها خاطئة والتعبير عنها، ما دامت لا تنتهك حقوق الآخرين. وبوسع من يتسامح أن يختلف، وأن يحاجج، وأن يسعى إلى الإقناع. لكن ما يرفضه هو تحويل يقينه إلى ترخيص للإكراه.
يحل هذا التمييز تناقضاً ظاهرياً. فلو لم يكن بمقدور أحد الدفاع عن فكرة بوصفها حقيقة، لفقد التسامح معناه: إذ لن توجد خلافات حقيقية تستدعي التسامح. ولو كانت القناعة تمنح وحدها تفويضاً بفرض عقيدة ما، لصار التعايش بين أفراد ذوي معتقدات متباينة أمراً مستحيلاً. يمكن للتسامح والحقيقة أن يتعايشا لأنهما ينتميان إلى مستويين مختلفين: فأحدهما يتعلق بكيفية تعاملنا مع الخلاف، والآخر بما نراه حقيقياً.
فكرة أساسية: التسامح مع فكرة ما ليس إقراراً بها، بل هو التخلي عن الإكراه بوصفه استجابة لمجرد الخلاف.
التسامح ليس إقراراً ولا صمتاً ولا لامبالاة
يفترض التسامح وجود مسافة نقدية مسبقة؛ فنحن لا نتسامح إلا مع ما نرفضه لسبب ما أو نعتقد أنه خاطئ. وإذا قبلنا موقفاً ما بوصفه صحيحاً، فلن نكون بحاجة إلى التسامح معه: إذ إننا ببساطة نتفق معه.
كما لا ينبغي لنا الخلط بين التسامح والاحترام الفكري. فكل شخص يستحق معاملة تتفق مع كرامته وحقوقه، بيد أنه ليس كل ادعاء يستحق القدر ذاته من الاعتبار. فقد تكون الفكرة ركيكة الاستدلال، أو مناقضة للأدلة، أو مثيرة للرفض. غير أن حماية الحق في التعبير عنها لا تلزمنا بالثناء عليها، ولا بنشرها، ولا بتركها دون رد.
وينطبق الأمر ذاته على اللامبالاة. فمن لا يكترث لشيء يسهل عليه تمرير أي رأي. أما التسامح، فيبدأ حين يكون للخلاف وزن وأهمية، ومع ذلك يتم اختيار الحوار أو النقد أو التعايش السلمي بدلاً من القوة. ولهذا السبب، قد يتطلب التسامح حزماً أخلاقياً يفوق مجرد تجنب الصراع.
كما أن التعددية لا تعادل النسبية. فالمجتمع التعددي يقر بأن أفراده يعتنقون مذاهب دينية وأخلاقية وفلسفية غير متوافقة فيما بينها. أما النسبية، فترى في إحدى صيغها أنه لا يوجد معيار صحيح للحقيقة يتجاوز كل منظور فردي. يصف الأمر الأول واقعاً اجتماعياً ويقترح شكلاً للتعايش، في حين يمثل الأمر الثاني أطروحة فلسفية مغايرة. وقبول التعددية لا يلزم بتبني تلك الأطروحة.
قناعة دون ادعاء العصمة
يمكن أن تكون لدينا أسباب وجيهة للاعتقاد بصحة أمر ما دون أن ندعي العصمة من الخطأ لأنفسنا. وهذا التواضع الفكري لا يفرغ قناعاتنا من مضمونها، بل يقر بأن معرفتنا قد تكون غير مكتملة، وبأننا قد نسيء تفسير الأدلة، أو بأن شخصاً آخر قد يلاحظ جانباً من المسألة أغفلناه.
دافع John Stuart Mill في الفصل الثاني من كتابه عن الحرية عن أن إسكات أي رأي ينطوي على ادعاء يقين لا يمتلكه البشر. فالرأي الخاضع للرقابة قد يتبين أنه صحيح، أو قد يحوي جزءاً من الحقيقة، أو قد يدفعنا، حتى وإن كان باطلاً، إلى فهم أفضل لأسباب ما نعتقده. ولا يعني هذا أن كل نقاش ينتهي نهاية حسنة، ولا أن جميع المواقف ذات قيمة متساوية، بل يعني أن النقاش المفتوح يتيح فرصاً للتصحيح يقضي عليها الفرض القسري.
لنتأمل في شخصين يختلفان حول عقيدة دينية. يستطيع كل منهما أن يعد معتقده صحيحاً، وأن يشرح أسبابه، وأن يسائل حجج الآخر. ولا يطالبهما التسامح بصياغة إيمان وسيط أو باصطناع الاتفاق، بل يلزمهما بالإقرار بأن ضمير الآخر لا يتغير بالتهديدات. ويحدث أمر مماثل في أي سجال فكري: فدحض أطروحة ما يتطلب حججاً وأدلة، لا سلطة منع صياغتها وطرحها.
تمييز مفيد: الدفاع عن الحقيقة هو تقديم حجج قابلة للفحص، في حين أن فرض عقيدة قطعية هو استبدال ذلك الفحص بعلاقة قوة.
الضمير لا يُقنع بالقوة
في عمله رسالة في التسامح، فصل John Locke بين الإقناع الديني والقوة المدنية، مؤكداً أن الإكراه الخارجي لا يولد إيماناً حقيقياً. نشأت حجته في سياق ديني وكان لها حدود تاريخية، ولذا لا ينبغي الخلط بينها وبين نظرية معاصرة ومكتملة للحقوق. ومع ذلك، فإنها تحتفظ بحدس عميق: بمقدور السلطة أن تنال طاعة ظاهرية، لكنها تعجز عن صناعة قناعة داخلية.
ومن هنا ينبثق الدفاع عن حرية الضمير. إذ يجب أن يتمكن المرء من فحص المعتقدات، وتبنيها، وتغييرها، أو رفضها دون أن تملي عليه السلطة العامة عقيدة رسمية. ويقر كل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحريات الفكر والوجدان والدين والرأي والتعبير في مادتيهما 18 و19. وتحمي هذه الضمانات الفضاء الذي تتشكل فيه القناعات ويجري التعبير عنها، دون أن تجعل كل تعبير أو سلوك بلا حدود.
ويجدر التمييز هنا بين مستويين. فبوصفه نزعة أخلاقية، يوجه التسامح الطريقة التي نعامل بها من يفكر بصورة مغايرة: بالصبر، والحجج، والاستعداد للإنصات. وبوصفه ضمانة قانونية، فإنه يضع حدوداً لما يمكن للدولة أن تعاقب عليه أو تفرضه لمجرد وجود معتقد أو رأي. وقد يكون المستوى الأول كريماً أو شحيحاً، أما المستوى الثاني فيتعين صياغته عبر قواعد عامة تحمي الحقوق وتلجم السلطة.
ولا يلزم ذلك الدولة بأن تكون غير مبالية بكل مسألة أخلاقية، بل يطلب منها مهمة أكثر تحديداً: ألا تستخدم قوتها لتقرير أي عقيدة ينبغي أن تسكن ضمير كل مواطن. إذ يمكنها حماية النظام القانوني دون أن تتحول إلى حكم نهائي في شأن الحقيقة الدينية أو الفلسفية أو العلمية. وبذلك المعنى، فإن التسامح الليبرالي لا يلغي القناعات العامة، بل يحول دون حصول إحداها على امتياز قسري لمجرد هيمنتها على المؤسسات.
للخلاف حدود تختلف عن حدود الضرر
ليس التسامح تفويضاً لأي سلوك كان؛ فالتعبير عن فكرة مسيئة أو خاطئة شيء، والتهديد، أو الاعتداء، أو الاحتيال، أو الإكراه شيء آخر. يطرح الموقف الأول خلافاً يجب أن يتاح الرد عليه عبر حرية التعبير، بما في ذلك النقد. أما الموقف الثاني، فقد ينتهك الحقوق ويبرر استجابة تتوافق مع القوانين العامة.
يكتسب هذا الفارق أهميته لأن كلمة «ضرر» قد تتسع لتشمل أي شعور بالانزعاج. فقد يؤدي الاستماع إلى رأي مخالف إلى إثارة الاستياء، أو المضايقة، أو جرح المشاعر، غير أن هذه الردود لا تعادل بذاتها تهديداً أو اعتداءً. وفي الوقت نفسه، فإن نعت سلوك ما بأنه «رأي» لا يمحو تبعاته: فالاحتيال لا يصبح مقبولاً لأنه يعبر عن معتقد، ولا يفقد التهديد صفته لكونه صيغ بالكلمات.
حد عملي: النقد يواجه الأفكار، والقانون يستجيب للسلوكيات التي تنتهك الحقوق. والخلط بين هاتين المهمتين يفسح المجال لكل من الرقابة والإفلات من العقاب.
إن التحديد الدقيق لـ حدود الإكراه يتفادى خطأين متقابلين: يتمثل الأول في فرض الرقابة على الآراء المخالفة لمجرد أنها مسيئة، بينما يتمثل الثاني في التعامل مع أي قيد باعتباره اضطهاداً للأفكار، حتى وإن كان رداً على عنف أو تهديد أو احتيال. فالمجتمع الحر بحاجة إلى معايير تركز على السلوك والحقوق المتضررة، لا على مدى شعبية عقيدة ما.
حقيقة قابلة للنقاش
لا تُحل العلاقة بين التسامح والحقيقة بالحط من قدر جميع القناعات إلى مرتبة التفضيلات الخاصة، بل تُحل بالإقرار بأن القوة لا تبرهن على صحة أي قضية، وبأن أي سلطة بشرية ليست معصومة من الخطأ. ويسعنا أن نؤكد، وندحض، ونقنع بحزم، بينما نحمي حق الآخرين في أن يفعلوا الشيء نفسه.
ذلك التوازن دقيق ويتطلب الكثير. فهو يطلب ممن يختلف أن يتحمل الوجود العلني للخطأ، ويطلب ممن يتكلم أن يقبل النقد، ويطلب من الدولة أن تحمي الحقوق دون إرساء عقيدة رسمية. والتسامح المفهوم على هذا النحو ليس هدنة مع الحقيقة، بل هو الانضباط المدني الذي يتيح البحث عنها دون منح أي طرف سلطة فرضها.
مشاركة