تحمي حرية البحث العلمي الاستقلالية الفكرية لطرح الأسئلة، واختبار التفسيرات، ونقل النتائج، في إطار من المسؤوليات العلمية والأخلاقية. ويظهر التوتر عندما تُزعج النتيجةُ مَن يدير العمل أو يموله؛ إذ لا جدوى تُذكر من إمكانية البدء في دراسة إذا كان ينبغي لاحقاً تكييف نتائجها لتتوافق مع إجابة فُرضت مسبقاً.
كما يكتسي التوتر المعاكس أهمية أيضاً؛ فقد يرى الباحث أن سؤاله ذو قيمة، ومع ذلك يقترح منهجاً قاصراً أو يُعرّض أشخاصاً آخرين بصورة غير مسوغة. ويتطلب الدفاع عن حريته التمييز بين التدخل التعسفي والاعتراض المبرر.
ما الذي تحميه ممارسة البحث بحرية
يقوم البحث على إنتاج المعرفة أو مراجعتها من خلال استقصاء منهجي. ويشمل مهاماً شديدة التنوع: تحليل العينات، ومضاهاة الوثائق، ودراسة السلوكيات، أو تقييم سياسة تعليمية ما. وتُدرج توصية اليونسكو بشأن العلم والباحثين العلميين العلومَ الاجتماعية صراحةً ضمن نطاقها المفاهيمي، إلى جانب البحوث الأساسية والتطبيقية. انظر الفقرة 1.
وتكتسي الاستقلالية أهمية طوال مراحل العملية. فقد يكون السؤال مقبولاً، لكنه يُفرَّغ من مضمونه إذا حُظر استخدام المنهج اللازم للإجابة عنه؛ وقد تكتمل دراسة وتفقد فائدتها العامة إذا أُخفيت نتائجها بدافع الملاءمة.
لذلك يجدر فهم هذه الحرية بوصفها حمايةً لنشاطٍ بما ينطوي عليه من قرارات ومسؤوليات. وقد يمثل الاطلاع على المعلومات جزءاً منه، لكن البحث عن معلومة لا يعادل بمفرده إجراء بحث علمي. كما أن صفة الباحث لا تمنحه وصولاً غير مقيد إلى الملفات الخاصة، ولا تحوّل أي ادعاء يصدر عنه إلى معرفة معتمدة.
فكرة أساسية: تحمي حرية البحث العلمي إمكانية البحث عن إجابة دون الحاجة إلى ضمان ماهيتها مسبقاً.
حريات مترابطة ووظائف متمايزة
تتيح حرية الفكر تكوين القناعات ومراجعتها. وتضيف ممارسة البحث متطلباً إضافياً: إخضاع التفسيرات لإجراءات تسمح باختبارها. وبدورها، تُعد حرية التعبير ضرورية لنقل النتائج ومناقشتها علناً. إذ يستطيع المرء أن يعبر عن رأي دون تقديم دراسة، في حين يتعين على من يقدم دراسة أن يكون قادراً على شرح ما يدعم استنتاجاته.
وفي الجامعة يبرز مفهومان آخران قريبان: تشير حرية التدريس إلى مجال التعليم، في حين تشير استقلالية الجامعات إلى القدرة المؤسسية على إدارة شؤونها الذاتية واتخاذ القرارات ضمن إطارها القانوني. ورغم أن التدريس والبحث وإدارة المؤسسة أمور مترابطة، إلا أنها لا تمثل الوظيفة نفسها.
تربط توصية اليونسكو بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي لعام 1997 بين الاستقلالية والحرية الأكاديمية، وتميز بين التدريس والبحث في فقراتها 17-20 و27-29. وينبثق من هذا الإطار تحذير: لا تكفي حماية الجامعة من الضغوط الخارجية إذا كانت سلطاتها تُسكت باحثيها أنفسهم. إذ ينبغي أن تخدم الاستقلالية أيضاً حرية العاملين فيها.
طرح الأسئلة والتمحيص ونقل النتائج
يوجد الأساس الدولي الصريح في المادة 15.3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: إذ تتعهد الدول الأطراف باحترام الحرية التي لا غنى عنها للبحث العلمي. وهو التزام ناشئ عن معاهدة؛ ولا ينبغي افتراض أن تطبيقه الداخلي متطابق في جميع البلدان. وتنص المادة نفسها على تدابير لتطوير العلم ونشره. انظر النص الرسمي للعهد، المادة 15.
ولفهم ما تنطوي عليه هذه الحماية، تفصّل لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مفاهيم الاستقلالية والتعاون والتواصل العلمي في الفقرة 13 من تعليقها العام رقم 25 لعام 2020. وتعد هذه الوثيقة تفسيراً صادراً عن اللجنة، وليست معاهدة إضافية.
ومن الناحية العملية، يمكن تصنيف هذه الضمانات في ثلاثة قرارات:
- طرح الأسئلة: إثارة الإشكاليات ومراجعة الافتراضات، حتى عندما تفضل مؤسسة ما اعتبارها محسومة.
- التمحيص: اختيار المناهج وتبريرها، وفحص الأدلة المناقضة، وتصحيح المسار عندما تتطلب النتائج ذلك.
- نقل النتائج: عرض الخلاصات وأوجه القصور لتمكين الآخرين من مناقشتها، مع الالتزام بالتحوطات المشروعة اللازمة.
ويُعد النقد جزءاً أصيلاً من هذا المسار. فتشكيك متخصصين آخرين في فرضية ما لا ينتهك بحد ذاته حرية صاحبها. وإنما تنشأ المشكلة عندما يُتخذ الاختلاف ذريعةً لمعاقبة الباحث تعسفياً أو الحيلولة دون إخضاع عمله للفحص.
فضلاً عن ذلك، يجدر الفصل بين مطلبين: القدرة على عرض النتائج، والنجاح في نشرها في مجلة بعينها. إذ يمكن للمجلة رفض مخطوطة بحثية لأسباب تتعلق بالجودة؛ ولا تحوّل حرية البحث كل قرار تحريري غير مواتٍ إلى رقابة.
حدود تحمي الأشخاص
لا تلغي الاستقلالية واجبات النزاهة: مثل الوصف الأمين للإجراءات، والاعتراف بإسهامات الآخرين، وتوضيح محددات العمل. وفي الوسط الجامعي، تَرِد هذه الواجبات في الفقرة 34 من توصية اليونسكو لعام 1997. فالحرية في مساءلة التفسيرات لا تبرر اختلاق الأدلة.
وعندما تشمل الأبحاث أشخاصاً، تصبح كرامتهم وخصوصيتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار موضع اعتبار أيضاً. ويُرسي الإعلان العالمي لأخلاقيات البيولوجيا وحقوق الإنسان الصادر عن اليونسكو مبادئ بشأن الموافقة والسرية والحد من الأضرار، ويشجع على إنشاء لجان أخلاقيات مستقلة وتعددية في مواده من 3 إلى 9 والمادة 19.
ويشمل نطاقه الطب وعلوم الحياة والتقنيات المرتبطة بها المطبقة على البشر. وهو إعلان، ولا ينبغي تقديم مبادئه بوصفها تشريعاً موحداً لأي دراسة. بل إن المادة 6 منه تتضمن استثناءات من شرط الموافقة تخضع لشروط أخلاقية وقانونية، وليست تفويضاً تقديرياً لتجاهله.
ومن ثم، قد تتطلب المراجعة الأخلاقية تغييرات جوهرية. غير أن مجرد التذرع بكلمة «الأخلاقيات» لا يثبت أن الحظر مبرر؛ بل يجب تحديد الخطر، وتوضيح الكيفية التي يحد بها الإجراء من ذلك الخطر، والنظر فيما إذا كان ثمة بديل أقل تقييداً.
وفيما يتعلق بالقيود المفروضة على هذا الحق، تشترط لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وجود أساس قانوني، والتوافق مع طبيعة الحق، وتحقيق المصلحة العامة في مجتمع ديمقراطي، والتناسب؛ ومن بين الوسائل الملائمة، يجب تفضيل الوسيلة الأقل تقييداً. وترد هذه المعايير في الفقرتين 21-22 من التعليق العام رقم 25. ولا تعادل هذه المعايير فحصاً قانونياً تلقائياً لكل حالة رفض أكاديمي.
فكرة أساسية: يحتاج أي قيد إلى أسباب قابلة للفحص؛ فحماية المشاركين وتجنب التوصل إلى نتيجة مزعجة هدفان مختلفان، حتى وإن قُدّم كلاهما تحت مسمى «الحيطة».
الاستقلالية والتقييم والموارد
يتطلب البحث العلمي وقتاً وتدريباً، ومعدات أو أرشيفات أو كوادر بحسب طبيعة المشروع. وقد تغدو الضمانة القانونية غير كافية من الناحية العملية في حال غياب هذه الوسائل. وتتضمن المادة 15.2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تعهدات بصون العلم وتنميته وإشاعته. ولا يُستنتج من هذا الواجب العام وجوب قبول كل طلب للحصول على منحة مالية.
تفرض ندرة الموارد ضرورة الاختيار والمفاضلة. ولتقييم عملية الاختيار هذه، نقترح فحص ضماناتها: معايير معلنة، وأسباب مرتبطة بالجودة أو بأولويات صريحة، وإجراءات تتيح مراجعة الأخطاء. وتوصي اليونسكو الدول بإجراء تقييم مستقل وشفاف لأداء الباحثين الذين يعملون لديها، بالإضافة إلى اتخاذ تدابير لتسهيل نشر النتائج، وذلك في الفقرتين 34-35 من توصيتها لعام 2017.
وتشمل الاستقلالية أيضاً أرباب العمل والجهات الراعية؛ إذ تتناول التوصية نفسها التقدير العلمي المستقل والإفصاح عن تضارب المصالح في فقرتها 16. إن الاتفاق على موضوع التكليف يترك مساحة للبحث، بينما يؤدي اشتراط نتيجة مواتية إلى تحديد مسبق لما يُفترض الكشف عنه.
ومن منظور الليبرالية الكلاسيكية، يُعد تعدد المؤسسات ومصادر الدعم أمراً مرغوباً فيه لأنه قد يوفر بدائل في مواجهة مركز قرار مهيمن. وهو معيار تحريري وليس ضمانة تلقائية: فالتمويل العام لا يلغي الضغوط السياسية، والتمويل الخاص لا يقضي على المصالح التجارية.
وتتمثل إحدى الضمانات الملموسة في الاتفاق منذ البداية على كيفية إعلان النتائج غير المواتية وطريقة تسوية الخلافات مع الممول. كما يجدر إظهار المصالح ذات الصلة؛ فالإفصاح عنها يتيح فحصها، لكنه لا يثبت بمفرده أنها لم تعد ذات تأثير.
دراسة واحدة وثلاثة قرارات مختلفة
لنتخيل فريقاً يرغب في تقييم ما إذا كان برنامج تعليمي ما يحسن الاستيعاب القرائي. إن هذه الحالة افتراضية، وتكمن فائدتها في مقارنة دوافع ثلاثة قرارات محتملة.
أولاً، يكشف تقييم ما أن العينة المقترحة صغيرة أكثر من اللازم لدعم الخلاصات التي يسعى الفريق للوصول إليها. وقد يمثل طلب إعادة التصميم متطلباً منهجياً معقولاً؛ إذ ينبغي أن يتمكن الباحث من الرد على الاعتراض، لكن حريته لا تفرض اعتبار الأدلة غير الكافية كافية.
ثانياً، يجتاز المشروع التقييم، لكنه يُحرم من التمويل لنفاد الميزانية. وهذا الرفض لا يثبت وحده وجود رقابة؛ فللحكم عليه، يتعين معرفة قواعد الاختيار والتحقق من كيفية تطبيقها. ولا تجعل التفسير المتعلق بالميزانية أي مؤشر على المعاملة التعسفية أمراً عديم الأهمية.
ثالثاً، يُنجز البحث ولا يخلص إلى التحسن المتوقع، فيطالب الممول بإخفاء التقرير لأنه يضر بصورة البرنامج. وهنا ينصب الاعتراض على مدى ملاءمة النتيجة. وإذا لم تكن هناك مشكلة في المنهج أو الخصوصية أو أي سبب مسوغ آخر، فإن هذا المطلب يمس مباشرة استقلالية البحث. وسيتطلب تحديد عواقبه القانونية فحص الإطار المعمول به.
فكرة أساسية: لا يفسر الرفض بمفرده ما حدث؛ إذ يجب معرفة موضوع الاعتراض، والأدلة المستند إليها، والإجراء المتبع.
ويتمثل المعيار العملي في تتبع مسار السؤال حتى إعلان إجابته للعموم: هل يستطيع الفريق تصحيح منهجه، والاعتراف بخطئه، وإعلان نتيجة سلبية دون التعرض لإجراءات انتقامية تعسفية؟ في هذه الإمكانية تحديداً، تلتقي حرية البحث العلمي بمسؤولية إتقانه.
مشاركة