ترفض سلطةٌ ما منح تصريح، أو تفرض غرامة، أو تجبي ضريبة. وقبل مناقشة ما إذا كان القرار مناسباً، يبرز سؤال أكثر جوهرية: ما هي القاعدة القانونية التي تسمح لها بالتصرف، وإلى أين ينتهي نطاق اختصاصها؟ يقود هذا السؤال إلى مبدأ المشروعية.
في معناها الأكثر عمومية، تعني المشروعية التوافق مع القانون النافذ. وإذا طُبقت على السلطة العامة، فإنها تتطلب أمراً أكثر دقة: أن يكون لكل تصرف أساس قانوني، وأن تقوم به السلطة المختصة، وأن يحترم الإجراءات المقررة. لا تستطيع السلطة أن تخلق اختصاصات لنفسها في كل حالة، ولا أن تقرر بناءً على إرادة مَن يمارسها فحسب.
فكرة أساسية: لا تأمر المشروعية بأن تظل السلطة بلا حراك؛ بل تشترط أن تكون قادرة على تبرير ما تفعله قانونياً.
من الامتثال للقواعد إلى مبدأ المشروعية
في لغة التخاطب اليومية، يعني القول بأن سلوكاً ما قانوني في العادة أنه غير محظور أو أنه يمتثل للقواعد الواجبة التطبيق. أما في القانون العام، فيؤدي مبدأ المشروعية وظيفة مؤسسية: إذ يربط أجهزة الدولة بالنظام القانوني الذي يحدد صلاحياتها.
ولا يعني هذا أن كل قرار يكون مكتوباً سلفاً حتى أدق تفاصيله؛ فالعديد من السلطات تمتلك هامشاً لتقييم الظروف والاختيار من بين عدة خيارات. غير أن هذه السلطة التقديرية لا تعادل حرية مطلقة، إذ يجب أن تستند إلى أساس قانوني، وتُمارس ضمن حدود معينة، وتظل خاضعة للمراجعة والرقابة.
تربط لجنة البندقية، في قائمة معاييرها المتعلقة بسيادة القانون، بين المشروعية وبين التخويل القانوني لإجراءات الدولة، وتحديد الاختصاصات، وإمكانية مراقبة ممارستها. وهو إطار توجيهي لا يشكل قاعدة عالمية ملزمة، لكنه يعبر عن فكرة يمكن التعرف عليها على نطاق واسع: يجب على مَن يمارس السلطة العامة أن يكون قادراً على توضيح مصدر سلطته.
لماذا تحمي المشروعية من التعسف
تحوّل المشروعية الأمر الصادر إلى قرار يمكن فحصه؛ فهي تتيح التساؤل عما إذا كانت السلطة:
- ذات اختصاص بالتصرف؛
- قد طبقت القاعدة القانونية المناسبة؛
- قد اتبعت الإجراء المطلوب؛
- قد احترمت حدود هامش تقديرها؛
- قد قدمت أسباباً قابلة للمراجعة.
فلنتصور أن إدارةً ما رفضت منح تصريح لأن الموظف أضاف شرطاً لا وجود له في القواعد المعمول بها. ورغم أن الإدارة تملك الاختصاص بشأن هذه التصاريح، فإن القرار قد يكون غير قانوني إذا استند إلى معيار مبتدع لتلك الحالة بالذات. ولا توفر المشروعية الحماية هنا لأنها تضمن تلقائياً نتيجة مؤاتية، بل لأنها تمنع السلطة من تغيير الشروط دون أساس قانوني.
وترتبط هذه الوظيفة بـعمومية القانون: فالقواعد العامة تقلص المجال المتاح للامتيازات والأعباء المصممة ضد أشخاص محددين. كما تساعد في تحديد التعسف في استعمال السلطة، الذي يمكن أن يظهر عندما يتجاوز جهازٌ ما الصلاحيات المنوطة به.
المشروعية لا تعني العدالة ولا الشرعية ولا سيادة القانون
قد تُقر قاعدة قانونية وتُطبق وفقاً للإجراءات المقررة، وتظل مع ذلك غير عادلة أو غير متناسبة أو منافية للحقوق الأساسية. ولهذا السبب، يحسن الفصل بين عدة أسئلة.
تبحث المشروعية فيما إذا كان السلوك أو القرار متوافقاً مع النظام القانوني. وتبحث الشرعية فيما إذا كانت السلطة وقراراتها تستحق القبول أو تحظى بمبرر سياسي كافٍ. أما الأخلاقية، فتقيم الصواب والخطأ استناداً إلى مبررات أخلاقية. وقد تتلاقى هذه الإجابات، لكن أياً منها لا يغني عن الأخرى.
كذلك ليست المشروعية وسيادة القانون مترادفين؛ إذ تعد المشروعية ركيزة لا غنى عنها في ذلك الإطار الأوسع، الذي يشمل أيضاً حماية الحقوق، والمساواة أمام القانون، والرقابة على إساءة استعمال السلطة، والوصول إلى قضاء مستقل. فقد تصدر حكومةٌ ما العديد من القواعد وتمتثل شكلياً لبعض الإجراءات، لكنها تحتفظ بصلاحيات واسعة جداً أو رقابة ضعيفة إلى حد يجعل التعسف مستمراً.
تمييز جوهري: كون الإجراء قانونياً يصف علاقته بالقانون النافذ، ولا يثبت بمفرده أنه عادل أو شرعي أو متوافق مع سيادة حقيقية للقانون.
كيف يعمل المبدأ في الإدارة والضرائب والقانون الجنائي
في الإدارة العامة، تقتضي المشروعية أن يتصرف كل جهاز في حدود صلاحياته؛ فلا يجوز لسلطة صحية أو بلدية أو تنظيمية أن تتولى اختصاصات غيرها، كما يجب أن تتبع قراراتها الإجراءات المقررة. وعندما تتيح القاعدة القانونية عدة خيارات، فإن تسبيب القرارات والرقابة عليها يساعدان في التحقق من أن الاختيار لم يكن اعتباطياً.
وفي المسائل الضريبية، يمنع هذا المبدأ الموظف من استحداث التزام بالدفع من تلقاء نفسه. ومع ذلك، فإن النطاق الدقيق لما يُعرف باختصاص القانون المحجوز —أي تحديد ما هي العناصر التي يجب أن يرسيها قانون رسمي وتلك التي يمكن تفصيلها عبر قواعد قانونية أخرى— يتوقف على كل نظام قانوني؛ إذ لا توجد صيغة متطابقة تنطبق على جميع البلدان.
وتفرض المشروعية الجنائية ضمانات صارمة بوجه خاص لأن سلطة العقاب تكون على المحك. بعبارات بسيطة، لا يجوز إدانة أي شخص على تصرف لم يكن يشكل جريمة وقت ارتكابه، ولا فرض عقوبة أشد بأثر رجعي. وتنص المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 9 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان على هذه الضمانات، وتقران الاستفادة من العقوبة اللاحقة الأخف في النطاقات التي تنطبق فيها هاتان الاتفاقيتان.
ويكمل مبدأ التوصيف القانوني المحدد للجريمة والعقوبة هذه الحماية: إذ يجب أن يكون السلوك المحظور وعاقبته محددين بدقة كافية. فإذا عوقب شخص عبر توسيع غير متوقع لنطاق القاعدة القانونية أو بطريق القياس على نحو يضر به، تتراجع القدرة على معرفة ما هو محظور مسبقاً.
قواعد معلنة، وقابلة للتوقع، وخاضعة للرقابة
يصعب على أي قاعدة سرية أو يتعذر الوصول إليها أن توجه السلوك البشري، كما أن القاعدة الغامضة لدرجة تتيح أي نتيجة لا تضع حداً فعلياً للسلطة. ولهذا السبب ترتبط المشروعية بالأمن القانوني: فالناس بحاجة إلى إمكانية معقولة لمعرفة القواعد وتوقع عواقبها.
ومن بين الشروط التي تعزز إمكانية التوقع هذه: النشر، وتيسير الوصول، وقدرٌ من الاستقرار، والصياغة الواضحة بالقدر الكافي. وليست هذه متطلبات مطلقة، ولا تعمل بالطريقة ذاتها في كل مجال؛ إذ يمكن للقواعد أن تتغير، ويتطلب تطبيقها تفسيراً. لكن الأمر الحاسم هو ألا تحول تلك التغييرات وذلك التفسير القانونَ إلى مباغتة مصطنعة بعد وقوع الوقائع.
وتكتمل أركان هذا المبدأ بالرقابة؛ فإذا لم يكن هناك مسار للطعن في قرار ما، أو مراجعة الاختصاص، أو المطالبة بتقديم تبرير، فإن الإشارة إلى المشروعية تخاطر بالبقاء مجرد إعلان نظري. وتتيح الرقابة الإدارية والقضائية مضاهاة التصرف الملموس بالقواعد التي يُفترض أن يستند إليها.
فكرة أساسية: تقيد إمكانية التوقع السلطة قبل أن تتصرف، بينما تتيح الرقابة فحص تصرفاتها لاحقاً.
ضمانة ضرورية، وإن لم تكن كافية
ترسي المشروعية نقطة الانطلاق لأي سلطة محدودة الصلاحيات: فلا يُبرَّر أي قرار عام لمجرد أن طرفاً ما يمتلك القدرة المادية على فرضه، بل يجب أن يستند إلى قواعد معلومة، وأن ينبع من اختصاص معترف به، وأن يقبل المراجعة والتدقيق.
لا يحسم هذا المعيار بمفرده ما إذا كان القانون جيداً، ولا يضمن كافة مقومات المجتمع الحر؛ لكنه يجعل من الممكن طرح أسئلة قابلة للتحقق في مواجهة السلطة: مَن الذي يملك حق اتخاذ القرار، واستناداً إلى أي أساس، وبأي إجراء، وتحت أي رقابة؟ وهنا تكمن قيمته المؤسسية: إحلال الأسباب القانونية التي يستطيع المواطنون معرفتها والطعن فيها محل الإرادة العارضة.
مشاركة