السيادة الشعبية: ما هي، وكيف تُمارس، وما هي حدودها

تجعل السيادة الشعبية الشعب مصدر السلطة السياسية الشرعية. وفهمها يتطلب التمييز بين صاحب السيادة، وكيف يمارسها، والحدود التي تحمي حرية الجميع.

بقلم Daniel Sardá · تاريخ النشر:

مدة القراءة: 5 دقيقة1,086 كلمة

في هذه الصفحة · 6 أقسام

السيادة الشعبية هي المبدأ الذي يقضي بأن السلطة السياسية الشرعية تنبثق من الشعب. فالحكام والمشرعون وسائر المسؤولين لا يمتلكون السلطة بحق أصيل في ذواتهم، بل يمارسونها لأن هناك نظاماً سياسياً يعترف به المواطنون يمنحهم الاختصاصات والمسؤوليات.

يجيب هذا التعريف عن السؤال المتعلق بصاحب السلطة الأصيل والأخير، لكنه لا يحدد بمفرده كيف ينبغي أن يُدار الحكم. فالشعب لا يتصرف دائماً في هيئة مجتمعة، ولا يتحدث بصوت واحد. ولهذا السبب، تضع الدساتير إجراءات — كالانتخابات، والتمثيل، والاستفتاءات، وقواعد اتخاذ القرار — لتحويل تعددية الآراء إلى قرارات عامة.

فكرة أساسية: تعود السيادة إلى الشعب؛ ولا تمارس أجهزة الدولة إلا الصلاحيات التي يخولها لها النظام الدستوري.

امتلاك السيادة لا يعني الممارسة الدائمة

يجدر التمييز بين سؤالين منفصلين. الأول هو من يضفي الشرعية على السلطة: وجواب السيادة الشعبية هو الشعب. أما الثاني فهو من يتخذ كل قرار وبأي إجراء: وذلك جواب يعتمد على مؤسسات كل بلد.

يتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في مادته الحادية والعشرين، هذا التمييز. إذ يعترف بحق كل شخص في المشاركة في حكم بلده مباشرة أو بواسطة ممثلين اختيروا بحرية. كما يؤكد أن إرادة الشعب هي أساس السلطة العامة، وأنه يجب التعبير عنها من خلال انتخابات نزيهة ودورية، باقتراع عام ومتساوٍ.

ومن ثم، فإن السيادة الشعبية ليست مرادفاً للتصويت المتواصل. ففي الديمقراطية التمثيلية، ينتخب المواطنون من يؤدون وظائف محددة لفترة زمنية محدودة. ويتخذ هؤلاء الممثلون قرارات عامة، لكنهم لا يحلون محل الشعب كمصدر للشرعية ولا يحصلون على شيك على بياض. فتبقى سلطتهم ذات طابع تفويضي وتخضع للقواعد.

الشعب والهيئة الناخبة والأغلبية ليست الشيء نفسه

في اللغة اليومية، غالباً ما يحدث خلط بين هذه الكلمات. ومع ذلك، فإنها تشير إلى حقائق مختلفة:

  • الشعب هو الجماعة السياسية التي تُنسب إليها السيادة.
  • الهيئة الناخبة هي مجموع الأشخاص المؤهلين للتصويت بموجب القواعد السارية.
  • الأغلبية هي نتيجة قرار محدد بين أولئك الذين شاركوا.

يمكن لأغلبية انتخابية أن تفوض حكومة أو تقر مقترحاً، لكنها لا تمثل إرادة مجتمعية متجانسة. فهناك مواطنون صوتوا لخيارات أخرى، أو امتنعوا عن التصويت، أو لم يتمكنوا من التصويت، ويظل هؤلاء جميعاً جزءاً من الجماعة السياسية. ويكتسي هذا التدقيق أهمية لأنه يمنع تحويل نصر ظرفي عابر إلى ادعاء بالتحدث نيابة عن كل فرد.

وقد ظهرت هذه الإشكالية بالفعل لدى Jean-Jacques Rousseau، الذي كان له تأثير حاسم في الصياغة الحديثة للسيادة الشعبية. ففي العقد الاجتماعي ميز بين الإرادة العامة، الموجهة نحو المصلحة المشتركة، و«إرادة الجميع»، بوصفها مجموع المصالح الخاصة. ولا يسمح طرحه بمطابقة الإرادة العامة ببساطة مع أي رأي أغلبي. كما أنه لا يصف بمفرده طريقة عمل الديمقراطيات الدستورية المعاصرة.

السيادة الشعبية والسيادة الوطنية

غالباً ما تميز النظرية الدستورية بين السيادة الشعبية والسيادة الوطنية. فتنسب الأولى السيادة إلى الشعب الملموس، وقد ارتبطت تاريخياً بمشاركة أكثر مباشرة. في حين تنسب الثانية السيادة إلى الأمة بوصفها كياناً جماعياً ومجرداً، وعادة ما ترتبط بالتمثيل: حيث يتصرف الممثلون باسم المجموع ككل، وليس كمجرد ناطقين باسم كل ناخب على حدة.

ويعد هذا الفارق مفيداً لفهم التقاليد الفقهية والنظرية، إلا أن الأنظمة الواقعية تمزج بين عناصر من كلا المفهومين. فالدستور الإسباني، على سبيل المثال، يستخدم عبارة «السيادة الوطنية» ويعلن في الوقت نفسه أنها تكمن في الشعب الإسباني. ومن جانبه، ينص الدستور الفرنسي على أن السيادة الوطنية ملك للشعب ويمارسها عبر ممثليه وعن طريق الاستفتاء.

ولا تؤسس هذه الأمثلة صيغة عالمية؛ بل تظهر أن النصوص الدستورية يمكن أن تجمع بين مصطلحات وآليات مختلفة. إن الأمر الحاسم يكمن في فحص الجهة التي تُسند إليها الشرعية، والمسارات التي يُعترف بها للمشاركة، وكيفية فرض الرقابة على ممارسي السلطة.

تمييز مفيد: تجيب السيادة الشعبية عن مصدر السلطة، بينما تشير التمثيلية والاقتراع والاستفتاء إلى بعض أوجه ممارستها.

الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية

يمكن للسيادة الشعبية أن تعبر عن نفسها عبر قنوات مباشرة أو تمثيلية. فمن بين القنوات المباشرة نجد الاستفتاء وغيره من المشاورات التي يبت فيها المواطنون في مسألة ما. ومن بين القنوات التمثيلية نجد انتخابات المشرعين والسلطات التنفيذية. ويمكن لكلا المسارين أن يتعايشا داخل النظام نفسه.

ولا توجد آلية تقضي بمفردها على صعوبات اتخاذ القرار الجماعي؛ فالمشاورة المباشرة تتطلب أسئلة واضحة، ومعلومات كافية، وضمانات للمنافسة الحرة. أما التمثيل فيتيح التداول والتفاوض والمساءلة، لكنه قد يباعد بين المنتخبين والمواطنين. ويجب على المؤسسات معالجة هذه المخاطر دون الخلط بين المشاركة ومجرد إجراء عمليات التصويت.

إن الحقوق السياسية — كالتصويت، وأن يُنتخب المرء، وتأسيس الجمعيات والانضمام إليها، والتعبير، والمشاركة — هي ما يجعل السيادة الشعبية شيئاً يتجاوز مجرد إعلان. فإذا لم تتمكن المعارضة من تنظيم صفوفها، أو لم تستطع الصحافة تقديم المعلومات، أو كانت النتيجة محسومة مسبقاً، فإن الانتخابات تحتفظ بشكلها الظاهري لكنها تفقد وظيفتها في إضفاء الشرعية.

هل تستطيع الأغلبية فعل كل شيء؟

كون السلطة تنبثق من الشعب لا يعني أن أي قرار تتخذه الأغلبية يكون عادلاً أو صحيحاً من الناحية القانونية. وهنا يجب التمييز بين شرعية المنشأ والممارسة المشروعة للسلطة. فالفوز في الانتخابات يخول الحكم ضمن اختصاصات معينة؛ ولا يخول الإلغاء التعسفي للحريات، أو تجاهل الإجراءات، أو ملاحقة المعارضين والمختلفين في الرأي.

تُخضع دولة سيادة القانون الدستورية الأغلبيات أيضاً لقواعد معلنة. فالشرعية القانونية، والفصل بين الوظائف، واستقلال القضاة، وآليات المساءلة تقلل من خطر التعسف. وتحدد قائمة المعايير المرجعية لسيادة القانون (Rule of Law Checklist) الصادرة عن لجنة البندقية، من بين عناصر أخرى، كلاً من الأمن القانوني، ومنع إساءة استخدام السلطة، والمساواة أمام القانون، والوصول إلى العدالة.

وتؤدي الحقوق الفردية وظيفة ديمقراطية بالقدر نفسه؛ فهي تحمي الأقليات والمعارضين والأشخاص غير المحبوبين، لكنها تحافظ أيضاً على الشروط التي يستطيع الشعب في ظلها مراجعة قراراته الخاصة. فحرية التعبير تتيح انتقاد الحكومة؛ وحرية تكوين الجمعيات تجعل بناء البدائل ممكناً؛ والانتخابات المستقبلية تسمح باستبدال الحكام. ودون هذه الضمانات، قد تتمكن أغلبية اليوم من منع وجود أغلبية مختلفة غداً.

فكرة أساسية: لا تحل الضوابط الدستورية محل السيادة الشعبية، بل تمنع ممثليها أو أي أغلبية عابرة من تحويل تفويض محدود إلى سلطة مطلقة.

وهذا لا يلغي كل النقاشات؛ إذ يمكن لأي جماعة سياسية أن تعدل دستورها عبر الإجراءات المنصوص عليها، وتثير مسألة السلطة التأسيسية قضايا أعمق حول نشأة النظام القانوني وتغييره. ولكن في سياق ممارسة الحكم الاعتيادية، فإن التذرع بـ «إرادة الشعب» لا يعفي أي سلطة من احترام الاختصاصات والحقوق والضوابط الرقابية.

مصدر للشرعية، لا ترخيص غير محدود

لقد أزاحت السيادة الشعبية الفكرة القائلة بأن الحكم السياسي يعود بطبيعته إلى عاهل أو سلالة حاكمة أو نخبة معينة. ويكمن وعدها في الحكم الذاتي: إذ ينبغي للأشخاص الخاضعين للقوانين أن يتمكنوا من المشاركة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تكوين السلطة التي تسنها.

ويتحقق هذا الوعد عندما يتسنى لإرادة المواطنين التعبير عن نفسها في ظل ظروف حرة، والتحول إلى قرارات عبر مؤسسات شرعية، وتصويب مسارها مع مرور الوقت. فالشعب هو مصدر السلطة، غير أن أي أغلبية لحظية لا تستوعب الشعب بأكمله. ولهذا السبب، لا تعد المشاركة والضوابط مبدأين متنافسين: فكلاهما يتيح معاً أن تكون السلطة ديمقراطية وخاضعة للرقابة ومتوافقة مع حرية كل فرد في آن واحد.

عن الكاتب

دانيال ساردا متخصص في تحسين محركات البحث ومحرر Libertatis Venezuela. يكتب عن الليبرالية والاقتصاد السياسي والمؤسسات والدعاية والحرية الفردية من منظور مستقل وغير حزبي.

قراءة الملف الكامل