تقدم شركتان خدمة متشابهة. يجب على إحداهما تدبير التمويل من السوق، ودفع الضرائب الاعتيادية، والمنافسة على كل عقد. أما الأخرى، فتحظى بضمانة حكومية، أو إعفاء خاص، أو وصول تفضيلي إلى عملاء من جهات تابعة للدولة. ورغم وجود الشركتين في السوق نفسها، فإنهما لا تتنافسان في ظل شروط متكافئة.
يصلح مفهوم الحياد التنافسي لفحص مثل هذه الحالات. فلا يتمحور سؤاله الجوهري حول من ينبغي له الفوز، بل حول ما الذي ينبغي أن يعتمد عليه هذا الفوز: هل يعتمد على أسعار أفضل وجودة وابتكار وخدمة، أم على ميزة منحتها قرارات السلطة العامة؟
لا ينبغي الخلط بين هذا المفهوم وحيادية الشبكة، التي تشير إلى معالجة حركة البيانات على الإنترنت. كما أنه لا يعد بأن تحظى جميع الشركات بالحصة السوقية نفسها، أو بالتكاليف عينها، أو بأرباح متطابقة. إذ يظل هدفه أكثر تحديدًا: الحيلولة دون تحول الملكية أو الشكل القانوني أو الجنسية أو أي خاصية أخرى، بفعل تدخل الدولة، إلى مصدر لمزايا أو أوجه حرمان غير مبررة.
ماذا يعني التنافس على أساس الجدارة؟
تطرح منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) الحياد التنافسي بوصفه مبدأً يقتضي أن تتنافس الشركات على أساس جدارتها، بصرف النظر عن عوامل مثل ملكيتها أو جنسيتها أو موقعها الجغرافي أو شكلها القانوني. وبعبارة مبسطة، ينبغي للشركة أن تجتذب المشترين لأنها تقدم شيئًا ذا قيمة، لا لأن هناك قاعدة تحميها بشكل انتقائي من منافسيها.
إن التنافس على أساس الجدارة لا يلغي الفروق القائمة بين الشركات؛ فبعضها يدير موارده على نحو أفضل، وبعضها الآخر يطور تقنيات متفوقة، أو يخوض مخاطر محسوبة بنجاح، أو يفهم عملاءه بصورة أدق. وهذه الفروق تشكل جزءًا أصيلًا من المنافسة الاقتصادية. وإنما تظهر الإشكالية حين يتأتى الامتياز من تفضيل سياسي لا يرتبط بصلة كافية بهدف عام مشروع.
فكرة أساسية: يسعى الحياد التنافسي إلى إرساء شروط نزيهة للمنافسة، لا إلى تحقيق نتائج تجارية متماثلة.
ينطبق هذا الإطار على الشركات العامة والخاصة على حد سواء. فالشركة لا تنتهك هذا المبدأ لمجرد تبعيتها للدولة، تمامًا كما أن الشركة الخاصة لا تُعفى من التدقيق بسبب هيكل ملكيتها. إذ يمكن لأي جهة أن تحظى بمعاملة تفضيلية: سواء أكانت مشغلًا تابعًا للدولة، أم شركة وطنية، أم جهة قائمة بالفعل في السوق، أم مؤسسة محلية، أم قطاعًا تختاره السلطة.
كيف يمكن للدولة إمالة كفة الميدان
يؤثر التدخل الحكومي في المنافسة عبر مسارات متعددة؛ بعضها ظاهر للعيان، مثل الدعم المالي المباشر، وبعضها الآخر يتوارى خلف قواعد فنية أو شروط مالية أو إجراءات إدارية. ومن أبرز هذه المسارات:
- إعفاءات ضريبية أو تنظيمية تقتصر على مشغلين محددين؛
- ضمانات حكومية تخفض تكلفة التمويل بشكل مصطنع؛
- مساعدات انتقائية تفتقر إلى معايير موضوعية أو مبررات كافية؛
- مشتريات وتعاقدات حكومية مصممة لمحاباة طرف بعينه؛
- وصول تفضيلي إلى البنية التحتية أو المعلومات أو الموارد العامة؛
- تعويضات تتجاوز التكلفة الفعلية للوفاء بالتزامات الخدمة العامة؛
- حصانات تعفي من الامتثال لقواعد يُلزم بها المنافسون النظراء.
ليست كل تدابير هذه القائمة غير مشروعة بالضرورة؛ فقد يلبي الضمان الحكومي حالة طارئة، وقد يتيح التعويض تقديم خدمة قد يعجز السوق عن توفيرها وفق الشروط المنشودة، كما قد تعالج قاعدة متباينة مخاطر تختلف بالفعل في طبيعتها. لذا، فإن وجود معاملة غير متكافئة يمثل بداية التحليل، لكنه لا يبت فيه بمفرده.
وتنشأ المشكلة عندما يخلق التدخل امتيازات تمنحها الدولة: وهي منافع انتقائية يصعب تبريرها، تنقل التنافس من تقديم قيمة للمستهلك إلى القدرة على كسب الحظوة السياسية. وفي بيئة كهذه، تتزايد حوافز الشركات للتأثير على القرار السياسي، بينما تتراجع دوافعها لخفض التكاليف، أو الابتكار، أو تحسين جودة الخدمة.
المساواة أمام القواعد لا تعني التطابق
قد تزعم قراءة مفرطة في الجمود أن الحياد يتطلب قواعد متطابقة في كل الظروف. غير أن معاملة الأوضاع المتباينة على قدم المساواة قد تفضي هي الأخرى إلى التعسف؛ فالمصرف، والمتجر الصغير، والشركة المسؤولة عن بنية تحتية حيوية، لا ينطوون على المخاطر نفسها ولا يؤدون الوظيفة ذاتها.
والسؤال السديد هنا هو ما إذا كانت هذه الفروق تستند إلى معايير موضوعية وما إذا كانت مناسبة للهدف المنشود. وتقر توصية منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بشأن الحياد التنافسي لعام 2021 بإمكانية وجود أولويات عامة والتزامات محددة. وفي الوقت نفسه، تطرح ضمانات تكفل أن تكون الاستثناءات شفافة، ومتناسبة، ولا تمنح مزايا غير مبررة.
وعليه، لا يعطل الحياد التنافسي السياسات العامة، بل يلزمها بتفسير خياراتها. فعندما تحيد سلطة ما عن القواعد العامة، ينبغي لها أن تكون قادرة على الإجابة عن أربعة أسئلة على الأقل:
- ما الهدف العام المحدد الذي تسعى إليه؟ فالاستناد المبهم إلى المصلحة العامة لا يعد كافيًا.
- لماذا تعد المعاملة التمايزية ضرورية؟ لا بد من وجود صلة بين التدبير المتخذ والمشكلة المراد حلها.
- هل الميزة متناسبة؟ ينبغي ألا تتجاوز المنفعة الحد اللازم لتحقيق الهدف.
- هل التدبير شفاف وقابل للمراجعة؟ يجب أن تكون معاييره وتكاليفه ومدته الزمنية قابلة للفحص والتدقيق.
معيار عملي: لا يشكل التمايز في المعاملة انتهاكًا في حد ذاته؛ بل العبرة بمبرراته، وتصميمه، وأثره المحتمل على المنافسين.
مثال تطبيقي: الضمانة التي تغير موازين المنافسة
فلنتصور شركتين تديران مسارات نقل متشابهة: تحصل الشركة (أ) على القروض بناءً على إيراداتها وأصولها والمخاطر المرتبطة بها؛ بينما تحظى الشركة (ب) بضمانة من الدولة دون دفع مقابل مكافئ. وبفضل هذا الدعم، تحصل الشركة (ب) على ائتمان بتكلفة أقل، وتستطيع تقديم عروض يصعب على الشركة (أ) مجاراتها.
لا ينبغي أن يتوقف التحليل عند مجرد كون الشركة (ب) عامة أو خاصة؛ بل يتعين تحديد الالتزام الذي تؤديه، وتكلفة هذا الالتزام، وسبب كون الضمانة الحكومية هي الأداة المناسبة. فإذا كانت الشركة (ب) ملزمة بالحفاظ على مسارات خاسرة بموجب تكليف رسمي، فقد يكون منحها تعويضًا ما مبررًا. غير أن هذا التعويض يجب أن يتناسب مع التكلفة الإضافية، وأن يُفصل، قدر الإمكان، عن أنشطتها التجارية المعتادة.
أما إذا كانت الضمانة تشمل الشركة بأكملها وتفتقر إلى حدود واضحة وتتيح لها التوسع في أسواق لا تتحمل فيها أي التزامات خاصة، فإن الدفاع عن مشروعية هذه الميزة يغدو أكثر صعوبة. فحينئذ، لم تعد الشركة (أ) تنافس كفاءة الشركة (ب) وحدها، بل أصبحت تواجه الدعم المالي للدولة.
يوضح هذا المثال سبب أهمية تحليل ثلاثة عناصر مجتمعة: من يتلقى المنفعة، وما هو المبرر القابل للتحقق، وكيف يتغير موقع المنافسين. كما يجنبنا خطأً شائعًا يتمثل في افتراض أن مجرد رصد أموال عامة يكفي لإثبات حدوث تشويه في السوق؛ فالغاية، والضرورة، وطريقة التصميم، كلها أمور مهمة.
هل يقتضي الحياد التنافسي الخصخصة؟
كلا. فالحياد التنافسي لا يحدد بمفرده الجهة التي ينبغي أن تمتلك الشركة. إذ يمكن لشركة مملوكة للدولة أن تعمل وفق قواعد متكافئة، وأن تتحمل تكاليف قراراتها، وأن تتلقى تعويضًا تحدده التزامات عامة محددة. وفي المقابل، قد تنعم شركة خاصة بتراخيص حصرية، أو بعمليات إنقاذ مالي انتقائية، أو بلوائح تنظيمية فُصلت على مقاسها.
ليس المعيار الحاسم مجرد تصنيف شكلي، بل المعاملة المؤسسية الفعلية. وتستوجب الملكية العامة الانتباه لأنها قد تجمع في نطاق واحد بين دور الجهة التنظيمية، والمالك، والممول. وهذا التداخل يولد مخاطر تضارب المصالح، لكنه لا يثبت تلقائيًا وجود محاباة؛ بل يلزم فحص القواعد المطبقة بالفعل على أرض الواقع.
كذلك، لا تؤدي كل مساعدة تقدمها الدولة إلى تقويض المنافسة. بل إن الفيصل يكمن في معرفة ما إذا كانت هذه المساعدة تعالج مشكلة محددة أم أنها تقتصر على تمرير مزايا لمستفيد مختار؛ وما إذا كانت متاحة وفق معايير موضوعية أم صُممت لمستفيد محدد؛ وما إذا كانت تقتصر على المدة الضرورية أم تتحول إلى وضع دائم. وينطبق التحليل عينه على القيود التنظيمية والعقود الحكومية.
تحذير: لا يجعل الهدف العام المشروع من أي امتياز أمرًا مشروعًا؛ فالوسيلة المختارة تحتاج بدورها إلى مسوغ.
لماذا يكتسب هذا الأمر أهمية للمجتمع المفتوح؟
عندما تحابي القواعد أطرافًا بعينهم، لا تقتصر التكلفة على منافسيهم فحسب؛ بل تتآكل الثقة في أن القرارات الاقتصادية تُتخذ في ظل معايير يمكن التنبؤ بها، ويتعاظم السعي وراء الريع السياسي. وقد تصطدم المشاريع الجديدة بـ عوائق دخول لا تنشأ عن تقديم خدمة أفضل للجمهور، بل عن افتقارها إلى سبل الوصول إلى السلطة.
ومن منظور الليبرالية الكلاسيكية، يجسد الحياد التنافسي فكرة مؤسسية متواضعة لكنها صارمة في متطلباتها: لا ينبغي للحكومة أن توزع الفرص الاقتصادية وفقًا لمدى القرب منها، أو الهوية، أو الملاءمة السياسية. وتتمثل مهمتها في إرساء قواعد عامة وتقديم تسويغ علني لأي استثناءات، لا في ضمان نجاح جهات بعينها تقع في دائرة الاختيار.
ولا ينفي هذا وجود خلافات بشأن طبيعة الخدمات التي ينبغي للدولة تقديمها، أو كيفية بلوغ الأهداف الاجتماعية؛ بل يقدم بالأحرى معيار اختبار لمناقشتها بصرامة أكبر. فإذا كان التدبير ضروريًا، ومتناسبًا، وشفافًا، وقابلًا للمراجعة، فبوسع دعاته توضيح أسبابه؛ أما إذا كان بقاؤه رهنًا بالغموض أو المعاملة الخاصة، فمن المرجح أنه لا يحمي مصلحة عامة، بل يحمي موقعًا يحظى بالامتياز.
وخلاصة القول، إن الحياد التنافسي لا يسوي بين النتائج، بل يحمي المسار الذي تتحقق من خلاله تلك النتائج. وحيثما يعود السعر والجودة والابتكار والخدمة ليقرروا من يزدهر، تستعيد المنافسة معناها الحقيقي: إقناع الناس، لا نيل الحظوة.
مشاركة