المجتمع المدني: ما هو وكيف يتمايز عن الدولة

المجتمع المدني هو فضاء الجمعيات والأنشطة الجماعية الذي يربط الأفراد ببعضهم البعض وبالمؤسسات العامة.

بقلم Daniel Sardá · تاريخ النشر:

مدة القراءة: 7 دقيقة1,351 كلمة

في هذه الصفحة · 9 أقسام

المجتمع المدني هو الفضاء المتنوع من الجمعيات والمجتمعات المحلية والأنشطة الجماعية الذي ينشأ بين الأفراد وفي مواجهة الدولة. ويشمل منظمات أُنشئت للدفاع عن المصالح، أو تشارك القيم، أو تقديم المساعدة، أو التعبير عن المطالب، أو التعاون حول أهداف مشتركة.

ويمكن لجمعية سكان الحي، أو نقابة عمالية، أو مؤسسة، أو منظمة دينية، أو منظمة غير حكومية أن تشكل جزءًا منه. بيد أن المجتمع المدني ليس مجرد كل ما يقع خارج نطاق الحكومة، كما أنه ليس مرادفًا للمجتمع بأسره.

وللمصطلح أيضًا دلالة قانونية مغايرة. ففي بعض البلدان، تشير عبارة «الشركة المدنية» إلى صيغة تعاقدية ينظمها القانون المدني. ويركز هذا المقال على معناه الاجتماعي والسياسي، مع توضيح الدلالة القانونية منعًا لأي التباس.

فكرة أساسية: المجتمع المدني هو الفضاء الذي ينتظم فيه الأفراد بصورة مستقلة للسعي وراء غايات مشتركة، دون أن يكونوا جزءًا من أجهزة الدولة.

ما معنى المجتمع المدني

في العلوم السياسية، يُوصف المجتمع المدني عادةً بأنه شبكة وسيطة بين الأفراد والدولة. وتسلط موسوعة Britannica، على سبيل المثال، الضوء على المجموعات والمجتمعات المحلية والروابط التي تشغل هذا الفضاء. ويعد هذا تعريفًا إجرائيًا مفيدًا، على الرغم من أن حدوده ليست عالمية ولا واضحة دائمًا.

ولا تعتمد الفكرة المركزية على كون المنظمة كبيرة أو مهنية أو مؤسسة قانونيًا؛ إذ يمكن للمجتمع المدني أن يضم مؤسسات مستقرة ومجموعات غير رسمية تجتمع لمعالجة مشكلة محددة. والمهم هو وجود شكل ما من أشكال الارتباط أو العمل الجماعي المستقل.

ولهذا السبب، يمكن لمنظمة غير حكومية أن تكون إحدى منظمات المجتمع المدني، بيد أن المفهومين لا يعنيان الشيء نفسه. فالمجتمع المدني فضاء أوسع نطاقًا يشمل أنماطًا متعددة من المنظمات والشبكات والمبادرات.

كما أنه لا يعادل مفهوم «المواطنة». فالمواطنة تصف وضعًا سياسيًا وقانونيًا للأفراد، بينما يصف المجتمع المدني أشكال التنظيم والمشاركة التي يمكن لهؤلاء الأفراد إنشاؤها أو الانخراط فيها أو دعمها.

ما المنظمات التي تشكل جزءًا من المجتمع المدني

وفقًا للتعريف المعتمد، يمكن للمجتمع المدني أن يشمل:

  • جمعيات سكان الأحياء، أو المجتمعية، أو الثقافية، أو المهنية.
  • النقابات، والاتحادات المهنية، ومنظمات العمال.
  • المؤسسات، والمنظمات الخيرية، والمنظمات غير الحكومية.
  • الكنائس والمنظمات الدينية الأخرى.
  • الحركات الاجتماعية، والشبكات المدنية، والمجموعات غير الرسمية.

وتعتمد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تعريفًا واسعًا يشمل المنظمات غير الحكومية وغير الهادفة للربح الحاضرة في الحياة العامة، بدءًا من المجموعات غير الرسمية ووصولًا إلى الكيانات الكبرى.

ومع ذلك، لا تحسم القائمة جميع الحالات؛ إذ تشارك الرابطة المهنية لأرباب العمل في الشؤون الجماعية، لكنها تمثل أيضًا مصالح اقتصادية. كما يمكن لمنظمة ما أن تتلقى أموالًا عامة دون أن تتحول تلقائيًا إلى جزء من الدولة، في حين قد تعلن منظمة أخرى استقلاليتها ومع ذلك تعمل تحت سيطرة سياسية.

لذلك، يجدر تقييم كل حالة عبر أسئلة محددة: هل تنتمي المنظمة إلى أجهزة الدولة؟ هل أُنشئت أساسًا للتنافس على السلطة العامة؟ هل يتمثل نشاطها المحوري في التبادل التجاري؟ وهل تحتفظ باستقلاليتها في تحديد أهدافها وقراراتها؟

المجتمع المدني والدولة: ما وجه الاختلاف بينهما

تمارس الدولة السلطة العامة، وتسن القواعد وتطبقها، وتجبي الضرائب، وتمتلك مؤسسات ذات اختصاصات ملزمة على إقليم معين. وفي المقابل، يجمع المجتمع المدني منظمات غير تابعة للدولة تنبثق من المبادرة الاجتماعية وتعمل من خلال المشاركة، أو الإقناع، أو التعاون، أو الضغط العام.

ولا يعني هذا الاختلاف وجوب انفصال هذين المجالين؛ إذ يمكن لجمعية ما أن تتحاور مع إحدى الوزارات، أو تشارك في استشارة عامة، أو تراقب سياسة معينة، أو تتعاون في تقديم خدمة ما. ويمكن للعلاقة أن تتخذ طابع التعاون أو النقد أو التفاوض أو النزاع.

والاستقلالية هي المعيار الحاسم. فالكيان الذي تموله الدولة أو تنظمه يظل قادرًا على الانتماء إلى المجتمع المدني ما دام يحتفظ بقدرة حقيقية على إدارة نفسه والتعبير عن مواقفه الخاصة. أما إذا كان يعمل كامتداد للسلطة العامة، فإن هذا التصنيف يغدو أقل إقناعًا بكثير.

ومن منظور الليبرالية الكلاسيكية، تكتسب الجمعيات المستقلة أهميتها لأنها تخلق مساحات للتعاون لا تعتمد على توجيه سياسي مركزي. كما يمكنها التعبير عن المصالح، والمطالبة بالمساءلة، والحد من تركز السلطة. وهذه وظائف محتملة، وليست فضائل تلقائية في كل منظمة.

المجتمع المدني والسوق ليسا شيئًا واحدًا

ينسق السوق المبادلات الاقتصادية بين الأفراد والمنظمات. أما المجتمع المدني، فيشير بالدرجة الأولى إلى جمعيات موجهة نحو غايات جماعية غير حكومية، وغالبًا ما تكون غير ربحية. وينبثق كلا المجالين من تفاعلات اجتماعية لا مركزية، لكنهما يستجيبان لغايات متباينة.

تبيع الشركة السلع أو الخدمات وتعد جزءًا من اقتصاد السوق. أما المؤسسة التي تجمع التبرعات لتمويل المنح الدراسية، فتصنف عادةً ضمن المجتمع المدني. في حين تحتل الرابطة المهنية لأرباب العمل منطقة حدودية؛ إذ تمثل أطرافًا فاعلة في السوق، لكنها تتحرك جماعيًا أمام المجتمع والمؤسسات العامة.

إن القول بأن المجتمع المدني هو «كل ما هو غير حكومي» من شأنه أن يمحو هذا الفارق، كما سيشمل الأسر والشركات وأي علاقة خاصة دون تمييز، مما يُفقد المفهوم فائدته.

المجتمع المدني والأحزاب السياسية

الأحزاب السياسية هي منظمات طوعية أيضًا، لكنها تتميز بخاصية محددة: فهي تسعى إلى الوصول إلى سلطة الدولة أو التأثير مباشرة في ممارستها من خلال الانتخابات والمناصب العامة.

ولهذا السبب، تفصل تعريفات كثيرة بين الأحزاب والمجتمع المدني. فالمنظمات المدنية قد تؤثر في القرارات العامة، لكنها لا تُنشأ عادةً من أجل الحكم. إذ يمكن لجمعية بيئية أن تروج لقانون ما، في حين يقدم الحزب مرشحين لشغل مواقع في المؤسسات التي ستُقر هذا القانون أو تطبقه.

والحدود الفاصلة، مرة أخرى، تعتمد على التعريف المعتمد؛ فبعض التصورات الواسعة تُدرج الأحزاب ضمن الجمعيات المدنية. والأدق هو توضيح المعيار المستخدم بدلًا من الجزم بأنها تنتمي دائمًا إلى المجتمع المدني أو لا تنتمي إليه مطلقًا.

حرية تكوين الجمعيات كأساس مؤسسي

يحتاج المجتمع المدني إلى أن يتمكن الأفراد من الاجتماع، وتأسيس المنظمات، وتحديد الأهداف، ومغادرة المجموعات دون إكراه. وتوفر حرية تكوين الجمعيات أساسًا قانونيًا لهذه الاستقلالية.

وتعترف المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحق كل فرد في تكوين الجمعيات بحرية مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها. ويحمي هذا الاعتراف شرطًا مهمًا لظهور منظمات مستقلة.

غير أن الوجود الشكلي لهذا الحق لا يضمن وحده وجود مجتمع مدني نشط أو تعددي أو فعال. إذ تبرز أيضًا أهمية الإمكانية العملية للتنظيم، وأمن المنتسبين، والتسامح إزاء الاختلاف، ووجود قواعد لا تحول الارتباط المستقل إلى امتياز خاضع للموافقة السياسية.

لماذا يكتسب المجتمع المدني أهميته

يتيح المجتمع المدني للأفراد التعاون لمواجهة المشكلات وتلبية المصالح التي لا يستطيعون، أو لا يرغبون في، معالجتها بصورة منفردة. وتستطيع منظماته تقديم المساعدة، والحفاظ على التقاليد، وتمثيل المهن، والدفاع عن الحقوق، وإنتاج المعرفة، أو فتح قنوات للحوار مع المؤسسات العامة.

كما أنها تعمل بوصفها مؤسسات وسيطة؛ إذ تربط الأفراد والمجتمعات المحلية بهياكل أوسع نطاقًا. فالفرد المنعزل غالبًا ما يمتلك قدرة محدودة على التعبير عن مطلب عام، بينما يمكن للجمعية جمع المعلومات، وتنسيق الجهود، وتسليط الضوء على اهتمام مشترك.

ومن منظور الليبرالية الكلاسيكية، يستحق هذا النسيج الجمعوي الاهتمام لأنه يوزع المبادرة والقوة الاجتماعية؛ إذ إن المجتمع الذي يعتمد فيه كل عمل جماعي على الحكومة لا يترك سوى مساحة ضئيلة للاستقلالية. ومع ذلك، سيكون من الخطأ إضفاء المثالية على المجتمع المدني: فمنظماته قد تفتقر إلى الشفافية، أو تكون إقصائية، أو خاضعة لمصالح خاصة، أو معادية لحرية الآخرين.

إن تسمية «المجتمع المدني» لا تثبت في حد ذاتها التمثيل، أو الشفافية، أو الشرعية؛ فهي فئة وصفية وليست شهادة تزكية أخلاقية.

الدلالة القانونية لمصطلح «المجتمع المدني»

في اللغة القانونية، قد يحمل تعبير «المجتمع المدني» (أو الشركة المدنية) معنى مغايرًا: وهو شركة أو عقد يضع بموجبه عدة أشخاص موارد أو أنشطة مشتركة لاقتسام نتائجها. وتختلف القواعد المحددة باختلاف كل دولة.

على سبيل المثال، ينظم القانون المدني الإسباني، في مواده من 1665 إلى 1670، كيانًا يُسمى شركة. وينتمي هذا الاستخدام إلى القانون الخاص، ولا ينبغي الخلط بينه وبين شبكة الجمعيات والأنشطة الجماعية التي تدرسها العلوم السياسية.

وعادةً ما يكشف السياق المعنى المقصود؛ فإذا كان النص يتناول المشاركة المدنية، أو المنظمات غير الحكومية، أو الحركات، أو العلاقات مع الدولة، فإنه يستخدم على الأرجح الدلالة الاجتماعية والسياسية. أما إذا كان يتحدث عن شركاء، أو حصص، أو عقود، أو توزيع للأرباح، فإنه يستخدم في الغالب دلالة قانونية خاصة بالنظام القانوني المعني.

قاعدة بسيطة لتمييز المفهوم

لتحديد المجتمع المدني بمعناه الاجتماعي والسياسي، يجدر التفكير في أفراد ينتظمون باستقلالية حول غايات مشتركة، خارج أجهزة الدولة، ودون حصر نشاطهم المحوري في التبادل التجاري أو في الوصول إلى السلطة العامة.

ويحتمل التعريف حالات حدودية متداخلة، وهذا الغموض ليس عيبًا يمكن إزالته بقائمة جامدة. والمهم هو تمييز المفهوم عن المجتمع بأسره، وعن الدولة، وعن السوق، وعن الأحزاب، وعن الكيان القانوني الذي يشاركه الاسم ذاته.

والمجتمع المدني، وفق هذا الفهم، فضاء تعددي للتعاون والمشاركة. ويمكنه أن يتوسط بين الأفراد والسلطة، لكن قيمته تظل رهينة بمقدار الحرية والاستقلالية والمسؤولية التي تعمل بها منظماته.

عن الكاتب

دانيال ساردا متخصص في تحسين محركات البحث ومحرر Libertatis Venezuela. يكتب عن الليبرالية والاقتصاد السياسي والمؤسسات والدعاية والحرية الفردية من منظور مستقل وغير حزبي.

قراءة الملف الكامل