قد يؤدي مصطلح الليبرالية المؤسسية إلى التباس من المفيد إيضاحه منذ البداية. فهو في معناه السياسي لا يشير إلى مدرسة فكرية واحدة ولا إلى وصفة جامدة، بل يصف فكرة محورية في الليبرالية مفادها أن الحرية تحتاج إلى مؤسسات تقيّد السلطة وتضبط مسارها. ولا يكفي أن تعد سلطة ما باحترام الأفراد؛ بل ثمة حاجة إلى قواعد عامة وإجراءات وضوابط تجعل هذا الوعد قابلاً للإلزام والتنفيذ.
والخيار المطروح هنا ليس مفاضلة بين الدولة والحرية كما لو كان أحدهما يُقصي الآخر بالضرورة. بل تكمن المسألة في ما تستطيع السلطة العامة فعله، وتحت أي قواعد، وبأي ضوابط. فحكومة بلا قيود يمكن أن تتعدى على مجالات الاختيار المشروعة؛ كما أن حكومة عاجزة عن تطبيق القانون أو تسوية النزاعات تترك الملكية والعقود عرضة للانتهاك أيضاً.
فكرة أساسية: تتطلب الحرية العملية سلطة خاضعة لقواعد عامة وآليات للمساءلة، لا مجرد غياب السلطة.
المؤسسات: قواعد اللعبة، وليست مجرد مقرات رسمية
يُطلق لفظ المؤسسة في لغة التداول اليومي على وزارة أو محكمة أو جامعة. وهذا الاستعمال مفهوم، لكنه يظل غير كافٍ لتناول المسألة الليبرالية. وقد اقترح الاقتصادي Douglass North تمييزاً أكثر دقة: المؤسسات هي قواعد اللعبة —الرسمية وغير الرسمية— التي تنظم التفاعل البشري؛ في حين أن المنظمات هي الأطراف الفاعلة أو اللاعبون الذين يتحركون داخل هذا الإطار.
وفق هذا المعنى، يُعد الدستور، وقانون العقود، وقواعد الإجراءات القضائية، وممارسة نشر القرارات الإدارية مؤسسات. أما المحكمة أو الشركة أو الحزب أو الجمعية فهي منظمات. وتكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن إنشاء مكتب أو إدارة لا يضمن وجود قواعد محايدة. إذ يمكن لهيئة ما أن تطبق معايير واضحة وقابلة للمراجعة، أو أن تقوم، على النقيض من ذلك، بتوزيع التصاريح وفقاً لمدى قرب كل صاحب طلب من السلطة.
ولا تُعرَّف المؤسسات الليبرالية الجيدة بمجرد حملها لصفة "القوة". إذ قد تكون القاعدة فعالة في السيطرة على السكان، لكنها تنتهك استقلاليتهم في الوقت نفسه. وإنما يكمن المعيار الحقيقي في كون القاعدة عامة، ومعلومة، ومستقرة، وقابلة للطعن، ومطبقة بنزاهة وحياد. وتقلل هذه الصفات من المجال المتاح أمام السلطة لمعاملة الحالات المتماثلة بصورة مختلفة بدافع المحاباة أو الخوف أو المصلحة السياسية.
كيف تحمي القواعد الخيارات اليومية
وتوضح حماية الملكية آلية هذا الأمر. فالقول بأن لشخص ما حقاً في ملكية معينة يعبر عن مبدأ مهم، غير أن هذا الحق يظل غير مكتمل إذا لم يتمكن أحد من تحديده أو نقله أو الدفاع عنه في وجه التعدي. ولا تحل السجلات الموثوقة وقواعد الإثبات والمحاكم المختصة محل الحق ذاته، بل تتيح ممارسته دون الحاجة إلى الاعتماد على حظوة شخص ذي نفوذ.
ويحدث أمر مماثل مع العقود؛ إذ يمكن لطرفين الاتفاق على بيع وشراء أو عمل أو إيجار، غير أن الاتفاق يصبح هشاً إذا كان المخرج الوحيد عند الإخلال به هو الضغط الفردي غير الرسمي أو قرار إداري لا يمكن التنبؤ به. ولا يضمن القاضي المستقل أن تربح جميع الأطراف، لكنه يوفر إجراءً يجب أن تكون فيه الحجج والأدلة أكثر وزناً من النفوذ.
وقد ربط John Locke الحكم الشرعي بالقوانين المستقرة والمعلومة، والقضاة المحايدين، والاستخدام المحدود للقوة العامة. وطوّر الفكر الليبرالي اللاحق، بما في ذلك أطروحات F. A. Hayek حول سيادة القانون، تلك الرؤية: فالقانون لا يشكل حماية للحرية حين يعمل كأمر متقلب موجه ضد أشخاص بعينهم.
ولا يعني هذا وجوب بقاء كل قاعدة دون مساس؛ فالقوانين قابلة للتعديل. وإنما المسألة هي أن يتبع التغيير إجراءات علنية وألا يتحول إلى شكل من أشكال العقاب بأثر رجعي أو استثناء مصمم لمصلحة قلة بعينها.
فكرة أساسية: لا تقوم الملكية والعقود على مجرد إعلانات مجردة؛ بل تحتاج إلى تعريفات واضحة وسبل إنفاذ محايدة.
الدولة محدودة الصلاحيات ليست دولة معطلة
تخلط القراءة السطحية لليبرالية بين تقييد السلطة والإضعاف المتعمد لكل قدرة عامة. وهذه النتيجة لا تستقيم. فالدولة محدودة الصلاحيات قد تحتاج إلى موظفين أكفاء، ومعلومات قابلة للتحقق، ومحاكم فاعلة، وموارد لتنفيذ القرارات ضمن نطاق اختصاصاتها. ودون هذه القدرات، قد تعجز القاعدة المكتوبة عن حماية من لا يملك نفوذاً أو موارد للدفاع عن نفسه.
إذ ينصرف القيد الليبرالي في المقام الأول إلى نطاق الصلاحيات والرقابة عليها، لا إلى التخلي عن كل نشاط للدولة. وإن الفصل بين السلطات، والمراجعة القضائية، والضمانات الإجرائية، وعلانية القرارات الإدارية، وُجدت تحديداً لمنع تحول مؤسسة مقتدرة إلى سلطة لا ضابط لها.
وثمة فارق عملي بين سلطة تجبي رسماً وفق قاعدة معلنة وقابلة للمراجعة، وأخرى تمنح التراخيص أو تمنعها بناءً على معايير سرية. فالتدخل العام حاضر في الحالتين، غير أن الحالة الأولى وحدها هي التي يستطيع فيها الفرد توقع الشروط، ومناقشة القرار، والمطالبة بمعاملة متساوية. فالقدرة على التنبؤ تقلل من التبعية الشخصية للموظف العام؛ ولهذا السبب تُعد شرطاً للاستقلال المدني وليست مجرد تفصيل بيروقراطي.
القواعد العامة في مواجهة الامتيازات الاستنسابية
ولا ينبغي الخلط بين المؤسساتية الليبرالية والدفاع التلقائي عن أي مؤسسة قائمة. إذ يمكن للمؤسسات أن تحمي الامتيازات، أو تعطل المنافسة، أو تجعل الطعن في قرار ما مكلفاً للغاية. ويُعد الاحتكار الممنوح على سبيل الاستثناء، أو القاعدة المصوغة لفئة محددة، أو التفتيش المستخدم بصورة انتقائية، أمثلة على قواعد تتخلى عن طابع العمومية.
ولا يقتصر النقد الليبرالي للامتيازات على تجاوزات الدولة فحسب، بل يمتد أيضاً إلى التشكيك في المكاسب الخاصة التي تعتمد على تحصيل الحماية السياسية بدلاً من التنافس في ظل قواعد مشتركة. فعندما تُؤمَّن الأرباح من خلال استثناءات يجري التفاوض عليها، فإن الطاقة التي كان يمكن توجيهها نحو الإنتاج أو الابتكار أو التعاون تتحول إلى السعي وراء الامتيازات والحظوة.
وليس من السهل دائماً الفصل بين تنظيم عام وبين تدبير يمنح ميزة خاصة وإن قُدِّم على أنه يحقق المصلحة العامة. ولهذا السبب تكتسب الشفافية وإمكانية المراجعة ووجود ضوابط توازنية أهمية بالغة. فالمؤسسة لا تستحق الثقة لقدمها أو هيبتها، بل لأنها تتيح الاطلاع على كيفية اتخاذ قراراتها وتصحيح أخطائها.
فكرة أساسية: لا تحمي المؤسسة الحرية لمجرد وجودها؛ بل يجب أن تكون معلومة، وقابلة للطعن، ومطبقة دون امتيازات.
توضيح: ليس المعنى ذاته للمؤسساتية الليبرالية في العلاقات الدولية
ولغموض المصطلح مصدر آخر؛ ففي العلاقات الدولية، تدرس المؤسساتية الليبرالية —المرتبطة بمفكرين من بينهم Robert Keohane— كيف يمكن للأنظمة والاتفاقيات الدولية أن تسهّل التعاون بين الدول. وينصب اهتمامها على المعلومات، والتوقعات، وتكاليف التنسيق في ظل غياب حكومة عالمية تفرض النتائج.
ولا يتطابق هذا التوجه مع المعنى السياسي المؤسسي الموضح هنا. فالأول يتساءل عن كيفية تقييد السلطة وإخضاعها للمساءلة داخل مجتمع سياسي؛ في حين يحلل الآخر التعاون بين الحكومات. وهما يشتركان في الاهتمام بالقواعد، لكنهما يجيبان عن مسألتين مختلفتين.
الحرية في ظل قواعد تراقب السلطة أيضاً
تنطلق الليبرالية المؤسسية من حذر بسيط: وهو أن ممارسي السلطة لا يتجردون من المصالح أو الانحيازات أو الدوافع بمجرد توليهم منصباً. ولا يكمن الحل في افتراض فضيلة مثالية ولا في تشتيت كل سلطة حتى تصبح عديمة الفائدة. بل يتمثل في توزيع الوظائف، ووضع الحدود، وإبقاء السبل مفتوحة للتظلم حين يتعدى قرار ما على حق أو يخرق قاعدة مشتركة.
ويتطلب هذا التوجه أيضاً الانتباه إلى مسألة الاستحواذ على المؤسسات أو اختراقها. فإذا كانت آليات الرقابة لا تعمل إلا لمن يملكون شبكات علاقات، تظل القواعد شكلية لكنها تفقد وظيفتها الليبرالية. وتقتضي المسؤولية العامة إجراءات ميسرة، وأسباباً يمكن فحصها، وقضاة أو هيئات مراجعة لا تخضع لإرادة السلطة ذاتها محل المساءلة.
والسؤال النهائي ليس ما إذا كان المجتمع يمتلك مؤسسات كثيرة، بل ما هو نمط العلاقة التي تنشئها بين الأفراد والسلطة. فحيثما تكون القواعد عامة والقرارات قابلة للنقاش، تتوفر ظروف أفضل لتكوين الجمعيات، والتعاقد، والاختلاف، والتخطيط. وللتعمق في هذه الصلة، من المفيد الاطلاع على الليبرالية والقيود المفروضة على السلطة. فالحرية لا تزدهر في فراغ مؤسسي، بل تصبح أكثر أماناً حين لا يحتاج أحد إلى إذن شخصي لممارستها.
مشاركة