الفقر متعدد الأبعاد: ما هو، وكيف يُقاس، وما هي حدوده

يحدد الفقر متعدد الأبعاد أوجه الحرمان المتزامنة في الجوانب الأساسية للحياة. ويتيح فهم قواعده استخدام المؤشر دون الخلط بينه وبين مقياس شامل للرفاه، أو اعتباره تفسيراً لأسبابه.

بقلم Daniel Sardá · تاريخ النشر:

مدة القراءة: 6 دقيقة1,225 كلمة

في هذه الصفحة · 5 أقسام

قد تمتلك أسرتان مستويات دخل متشابهة، ومع ذلك تعيشان ظروفاً شديدة الاختلاف. فقد تتوفر لإحداهما مياه صالحة للشرب، ومسكن لائق، وفرص وصول مستمرة إلى التعليم؛ بينما قد تعاني الأخرى من حرمان في العديد من هذه المجالات في الوقت نفسه. وقد لا يميّز المقياس القائم حصراً على المال هذه الفروق بصورة مباشرة. ويسعى الفقر متعدد الأبعاد إلى إبرازها.

لا يعني هذا أن الدخل لم يعد ذا أهمية، بل يعني أن الموارد النقدية والظروف المعيشية الفعلية تجيب عن أسئلة مترابطة ولكنها ليست متطابقة. إذ يرصد النهج متعدد الأبعاد مجموعة محددة من أوجه الحرمان، ويحدد متى يراكم الفرد أو الأسرة أوجه نقص كافية لاعتبارهما ضمن دائرة الفقر، ثم يلخص النتائج في مؤشر واحد أو عدة مؤشرات.

فكرة أساسية: ليس الفقر متعدد الأبعاد قائمة عالمية للاحتياجات، ولا هو مقياس شامل للرفاه، بل هو نهج يوضح صراحة أوجه الحرمان المزمع رصدها والقواعد المستخدمة للجمع بينها.

الفقر النقدي والفقر متعدد الأبعاد

يقارن الفقر النقدي دخل الفرد أو الأسرة، أو استهلاكهما، بخط محدد. وتكمن نقطة قوته بوضوح في أن المال يوسع القدرة على الاختيار بين سلع وخدمات مختلفة، ويتيح تلخيص موارد متباينة في وحدة قياس مشتركة. غير أنه لا يسجل دائماً بصورة مباشرة ما إذا كانت الخدمات متوفرة بالفعل، أو ما إذا كانت تعمل، أو ما إذا كان حرمان معين لا يزال قائماً.

وينطلق القياس متعدد الأبعاد من زاوية مغايرة؛ فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن حجم الموارد التي تمتلكها الأسرة، يفحص ما إذا كانت تعاني من أوجه نقص مختارة في مجالات مثل الصحة أو التعليم أو ظروف السكن. وإضافة إلى ذلك، يولي اهتماماً لـ التزامن؛ فالمعاناة من نقص منفرد لا تتساوى مع مراكمة أوجه نقص متعددة.

ويمكن لكلا المقياسين أن يتكاملا؛ فقد تقع الأسرة فوق خط الفقر النقدي وتكابد في الوقت ذاته أوجه حرمان جوهرية، وقد تعاني أسرة أخرى من انخفاض مؤقت في الدخل مع احتفاظها بظروف أساسية معينة. ولا تكفي أي نتيجة بمفردها للإحاطة بالواقع المعاش للأفراد. فعلى سبيل المثال، تحتفظ منهجية المجلس الوطني المكسيكي لتقييم سياسة التنمية الاجتماعية بالرفاه الاقتصادي وتربطه بأوجه الحرمان الاجتماعي ضمن تصميم خاص بها.

كذلك لا ينبغي الخلط بين الفقر وعدم المساواة؛ فالفقر يشير إلى أوجه القصور أو الحرمان قياساً إلى عتبات محددة، بينما يصف عدم المساواة كيفية توزيع الموارد أو المخرجات بين الأفراد. وبإمكان أي مجتمع تقليص مقياس للفقر دون أن تتراجع بالقدر نفسه حالة عدم المساواة في الدخل، والعكس صحيح.

كيف يُبنى المؤشر متعدد الأبعاد

لا يوجد مؤشر موحد للفقر متعدد الأبعاد يصلح لجميع الأماكن والأغراض؛ فالنهج العام يتحول إلى قياس ملموس عبر سلسلة من القرارات المتتابعة:

  • وحدة التحليل: قد تكون الفرد أو الأسرة، بحسب البيانات والهدف المنشود.
  • الأبعاد: هي المجالات الكبرى التي يعدها القياس ذات صلة.
  • المؤشرات: تترجم كل بُعد إلى جوانب قابلة للرصد.
  • عتبات الحرمان: تحدد متى يوجد حرمان في كل مؤشر.
  • الأوزان الترجيحية: تحدد وزن كل مؤشر في النتيجة الإجمالية.
  • قاعدة تحديد الفقر: تحدد مستوى تراكم أوجه الحرمان الذي يتيح تصنيف شخص ما على أنه فقير متعدد الأبعاد.

وعادة ما يُشرح منهج Alkire–Foster، المتبع في مؤشرات عديدة، باعتباره إجراءً ذا قطع مزدوج؛ إذ يُحدد أولاً، مؤشراً تلو الآخر، من يعاني من الحرمان. ثم تُجمع بعد ذلك أوجه الحرمان المرجحة وتُطبق عتبة أخرى لتحديد السكان الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد. ويفصّل دليل OPHI للمؤشرات الوطنية هذه القرارات، مبيناً إمكانية تكييف المؤشر الوطني مع الأولويات والبيانات المحلية.

ولهذا السبب، فإن وجود نقص معين لا يحول الشخص تلقائياً إلى فقير متعدد الأبعاد؛ إذ يتوقف الأمر كله على قاعدة تحديد الفقر المعتمدة. كما لا ينبغي عرض أبعاد مؤشر معين كما لو كانت التعريف العالمي الوحيد لهذا المفهوم.

فكرة أساسية: النهج متعدد الأبعاد هو الفكرة العامة؛ أما مؤشر الفقر متعدد الأبعاد فهو تطبيق محدد، ذو مؤشرات وعتبات وأوزان محددة.

الوقوع والشدة والتركيب

بمجرد تحديد السكان الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، تبرز أهمية معرفة عدد الأشخاص الذين يعيشون في هذا الوضع وعدد أوجه الحرمان التي يكابدونها.

إن معدل الوقوع هو نسبة السكان المصنفين كفقراء. أما الشدة فهي متوسط أوجه الحرمان المرجحة التي تواجهها هذه المجموعة. ويمكن لمنطقتين أن تسجلا معدل الوقوع نفسه، ومع ذلك تظهران شدة مختلفة: ففي إحداهما، قد يراكم السكان المصنفون أوجه نقص أكثر.

وفي الصيغة المعتادة لمنهج Alkire–Foster، يجمع المؤشر المعدل —المعروف باسم M0 أو مؤشر الفقر متعدد الأبعاد— بين معدل الوقوع والشدة من خلال حاصل الضرب H × A. ويتيح الناتج تتبع كلا البعدين في رقم واحد. ومع ذلك، يجب قراءة هذا الرقم الإجمالي جنباً إلى جنب مع مكوناته ومع مساهمة المؤشرات المختلفة؛ وإلا فإن تحسناً يتركز في مجال واحد قد يخفي ركود مجال آخر أو تدهوره.

ويعد مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وOPHI تطبيقاً ملموساً؛ إذ يستخدم عشرة مؤشرات مجمعة في ثلاثة أبعاد، مع نقطة قطع مرجحة تبلغ الثلث. وتخدم هذه القواعد ذلك المؤشر بعينه، ولا تحدد جميع مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد الممكنة. وبوسع المؤشرات الوطنية اختيار مؤشرات وعتبات أخرى للاستجابة لأطرها المؤسسية واحتياجاتها الإحصائية.

لماذا قد يروي مؤشران روايتين مختلفتين

لنتخيل بلدين يرغبان في قياس أوجه الحرمان المتعددة؛ يمنح البلد (أ) مساحة أكبر لظروف السكن والخدمات الأساسية، بينما يدرج البلد (ب) بمزيد من التفصيل الحضور المدرسي والتوظيف والحماية الاجتماعية. وحتى لو استخدم كلاهما هيكل تجميع متشابه، فإن نتائجهما لا تجيب بدقة عن السؤال نفسه.

وقد تختلف أيضاً المسوح الميدانية، ووحدة التحليل، والعتبات، والأوزان الترجيحية. وتوضح التجربة المنهجية لكولومبيا، بخمسة أبعاد وخمسة عشر مؤشراً في التصميم الذي وثقته الإدارة الوطنية الكولومبية للإحصاء، كيف يجسد بلد ما هذا النهج وفق هيكلية خاصة به.

ولهذا تكون المقارنات أكثر متانة عندما تحافظ على ثبات التعريفات، ومصادر البيانات، وقواعد الحساب. وقد تكون مقارنة المؤشر نفسه بمرور الوقت أمراً معقولاً إذا ظلت المنهجية وجودة البيانات متوافقتين. أما المقابلة المباشرة بين مؤشرات وطنية مختلفة، فتتطلب قدراً أكبر بكثير من الحذر.

ما يكشفه المؤشر وما يعجز عن إثباته

يتيح المؤشر متعدد الأبعاد الجيد تحديد مواقع أوجه الحرمان المتزامنة، وملاحظة شدتها، ومعرفة أي المؤشرات تسهم بقدر أكبر في النتيجة. ويمكنه توجيه الأسئلة، والمساعدة في ترتيب أولويات المعلومات، وتقييم التغيرات الوصفية. كما تسمح شفافيته بمناقشة ما إذا كانت الأبعاد والعتبات تعكس على نحو ملائم ما يرغب المجتمع في رصده.

لكن المؤشر لا يثبت بذاته سبب وجود أوجه الحرمان؛ إذ لا يكفي انخفاض المؤشر عقب إصلاح ما لنسب السببية إليه، فقد يكون الاقتصاد، أو تركيبة السكان، أو البيانات، أو سياسات متعددة قد تغيرت في الوقت نفسه. وتتطلب البرهنة على الأسباب تصاميم تقييم وأدلة إضافية.

ويجمع اختيار الأبعاد، ونقاط القطع، والأوزان بين المعرفة التقنية والأحكام المعيارية. ولا يجعل ذلك القياس عديم الجدوى أو تعسفياً بالضرورة، بل يفرض توثيقه وإخضاعه للفحص. كما يعتمد الفقر النقدي بدوره على قرارات تتعلق بخطوط الفقر، والأسعار، ومقاييس التكافؤ بين الأسر، ومصادر المعلومات.

وعلاوة على ذلك، ومن منظور يركز على الحرية الفردية، يجب فهم الظروف المادية جنباً إلى جنب مع القدرة الفعلية على الاختيار. إذ تؤثر المؤسسات، والحوافز، وسيادة القانون، والوصول المفتوح إلى الفرص في السياق الذي يمكن للأفراد من خلاله التغلب على أوجه الحرمان. ومع ذلك، فإن مؤشر الفقر متعدد الأبعاد لا يقيس الحرية بمفرده، ولا يسمح بالاستنتاج التلقائي للسياسة التي ستوسع تلك القدرات على أفضل وجه.

فكرة أساسية: قبل مقارنة الأرقام، يجدر التساؤل عن الأبعاد التي قِيست، وأين وُضعت العتبات، وكيف رُجحت أوجه الحرمان، وما إذا كانت البيانات والقواعد متوافقة.

تكمن فائدة الفقر متعدد الأبعاد على وجه التحديد في إبراز جانب من الواقع قد يحجبه متغير واحد. ولا يتمثل استخدامه الأمثل في استبدال جميع المقاييس السابقة ولا في تحويل رقم ما إلى حكم سياسي، بل في الوصف بدقة أكبر لمن يعانون من أوجه حرمان متزامنة وبأي شدة. وإذا قُرئ المؤشر مقترناً بالدخل، والمؤشرات التفصيلية، والسياق المؤسسي، فإنه يغدو أداة غنية بالمعلومات؛ أما إذا قُرئ بمعزل عن منهجيته، فقد يولد يقيناً لا تسوغه البيانات.

عن الكاتب

دانيال ساردا متخصص في تحسين محركات البحث ومحرر Libertatis Venezuela. يكتب عن الليبرالية والاقتصاد السياسي والمؤسسات والدعاية والحرية الفردية من منظور مستقل وغير حزبي.

قراءة الملف الكامل