التضخم والأزمة المؤسسية: كيف يغذي أحدهما الآخر

يمكن للتضخم والهشاشة المؤسسية أن يعزز كل منهما الآخر عبر المالية العامة والمصداقية والعقود، لكن هذه العلاقة ليست تلقائية.

بقلم Daniel Sardá · تاريخ النشر:

مدة القراءة: 8 دقيقة1,735 كلمة

في هذه الصفحة · 10 أقسام

عندما يفقد النقد قيمته بسرعة، يصبح قرار اعتيادي كـتحديد سعر أو قبول دفعة مالية بمثابة رهان. بيد أن عدم اليقين لا يقتصر على الأسعار فحسب؛ بل يرتبط كذلك بما إذا كانت الموازنة العامة ذات مصداقية، وما إذا كان البنك المركزي قادراً على الوفاء بمهامه، وما إذا كان العقد سيحتفظ بمعناه بعد بضعة أشهر.

ويفسر هذا التقارب سبب اقتران التضخم والأزمة المؤسسية في الظهور غالباً. غير أن هذا لا يثبت أن أحدهما يسبب الآخر دوماً؛ إذ يمكن لصدمة خارجية أن ترفع التضخم في بلد ذي مؤسسات متينة، كما يمكن لأزمة مؤسسية حادة أن تنشأ وتتطور دون أن تسفر فوراً عن ارتفاع عام في الأسعار.

والعلاقة الأكثر فائدة لفهم كلتا الظاهرتين هي علاقة مشروطة ومتبادلة الاتجاه. فالمؤسسات الضعيفة قد تسهل تحول الصدمة إلى تضخم مستمر؛ وفي المقابل، يمكن لتضخم مرتفع وممتد زمنياً أن يقوض الثقة والعقود وقدرة الدولة. وبين هذين الطرفين، تعمل قرارات مالية ونقدية وقانونية محددة.

فكرة أساسية: لا يكفي تزامن التضخم والهشاشة المؤسسية لإثبات وجود علاقة سببية؛ إذ يتعين تحديد الآلية التي تربط بينهما، واتجاهها، والظروف التي تعمل في ظلها.

مفهومان يجدر ضبط حدودهما

التضخم هو ارتفاع عام ومستمر في المستوى العام للأسعار. وهو لا يعادل ارتفاع أسعار البنزين أو القمح أو الإيجارات على نحو منفرد، رغم أن تلك الزيادات قد تبدأ ضغوطاً أو تنقلها إلى بقية مفاصل الاقتصاد. ويكتسب هذا التمييز أهميته لأن أسباب التضخم متنوعة، وليست جميعها ذات منشأ مؤسسي.

ويقصد بـ الأزمة المؤسسية هنا تدهور قدرة أو أكثر من القدرات الأساسية: تطبيق السياسات بصورة متسقة، واحترام قواعد يمكن التنبؤ بها، وإضفاء المصداقية على الالتزامات العامة. وقد تنطوي على نزاعات بين السلطات، لكنها ليست مرادفة لأي أزمة سياسية. فالبعد السياسي للأزمة المؤسسية تستحق تحليلاً خاصاً بها؛ وما يعنينا في هذا المقال هو ارتباطها بالنقد والتنسيق الاقتصادي.

وتحتمل كلتا الظاهرتين درجات متفاوتة؛ فخطأ في السياسة النقدية لا يحول بمفرده كامل النظام المؤسسي إلى نظام فاشل. كما أن التضخم المعتدل والعابر لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الثقة. إن الحديث عن التغذية الراجعة المتبادلة يقتضي مراقبة المدة الزمنية والحجم والاستجابات على صعيد السياسات وجودة القواعد.

الصدمة تطلق المشكلة؛ والنظام يحدد استمرارها

قد يؤدي الجفاف أو الحرب أو الانقطاع اللوجستي أو القفزة المفاجئة في الطلب إلى رفع أسعار سلع عديدة. وفي اللحظة الأولى، يستجيب هذا الارتفاع لحالة نقص أو لخلل اقتصادي. أما السؤال المؤسسي فيبرز لاحقاً: ما الذي يجعل ذلك الاندفاع يتلاشى أو يتسع انتشاره؟

إذا وثقت الأسر والشركات في أن السلطات ستلتزم بسياسة متسقة، تقل احتمالية أن تفسر كل زيادة على أنها مؤشر على تضخم لا نهائي. وحينئذٍ يمكن تعديل العقود والأجور دون تضمين زيادات متصاعدة باستمرار، وتحتفظ السياسة العامة بهامش للتحرك دون تقديم وعود مستحيلة.

وعندما تغيب تلك الثقة، يقصر الأفق الزمني؛ فالشركات التي تتوقع تكاليف أعلى تبادر بتقديم التعديلات السعرية، والعمال يسعون لحماية مداخيلهم، والمقرضون يطالبون بأسعار فائدة أعلى أو آجال أقصر. ولا يلزم أن يكون أي من هذه السلوكيات الفردية غير عقلاني، بل تكمن المشكلة في أثرها التراكمي المشترك: إذ يمكن لتوقعات التضخم أن تسهم في إطالة أمده.

وليست المصداقية عاطفة جماعية يمكن لسلطة أن تفرضها بمرسوم؛ بل تتشكل من خلال النتائج، والمهام المفهومة، والمعلومات القابلة للتحقق، والضوابط التي تجعل الإخلال بالالتزامات مكلفاً. وتُظهر دراسة بحثية أجراها بنك جمهورية كولومبيا، بالنسبة لذلك البلد وضمن نموذجه، أن فقدان المصداقية قد يتطلب تشديداً نقدياً أكبر لبلوغ الهدف ذاته، مما يرفع تكلفة خفض التضخم. ولا ينبغي تعميم هذا الحجم آلياً على حالات أخرى، غير أن الآلية تظل ذات أهمية: فالوعود الأقل مصداقية تحد من فعالية السياسة.

ثلاث قنوات تربط بين القواعد والأسعار

إن الضعف المؤسسي لا ينعكس في الرقم القياسي للأسعار من تلقاء نفسه، بل ينفذ عبر قنوات محددة يمكنها علاوة على ذلك أن تتضافر فيما بينها.

الضغط المالي على النقد

لا يولد عجز الموازنة العامة تضخماً بصورة تلقائية؛ إذ يمكن تمويله بطرق مختلفة، وتعتمد آثاره على السياق العام، والطاقة الإنتاجية، والطلب على النقد، وثقة الدائنين. ويتعاظم الخطر عندما تُخضع احتياجات الحكومة السياسةَ النقدية بشكل مستمر، وينتهي الأمر بالبنك المركزي إلى تيسير تمويلها.

وفي هذا السيناريو، يتنافس هدف استقرار الأسعار مع الإلحاح المالي. وإذا توقع الجمهور أن هذا الإلحاح سيغلب مرة تلو أخرى، فإن التوقعات تؤثر على القرارات الحالية. كما يمكن لما يسمى 'التمويل النقدي' أن يعمل بمثابة ضريبة تضخمية: إذ يقلص القوة الشرائية للأرصدة النقدية دون المرور بجباية ضريبية يشرعها القانون بالطريقة المعتادة.

ولا تقتصر المشكلة المؤسسية على الجانب المحاسبي فحسب؛ بل تشمل موازنات تفتقر إلى الشفافية، والتزامات بلا غطاء مالي، وضعفاً في الرقابة، وغياباً للتوافقات المستدامة بشأن الإنفاق والإيرادات. ولهذا السبب، فإن تطبيق قاعدة مالية معزولة قلما يجدي نفعاً إذا كان من الممكن الالتفاف عليها أو إذا افتقرت إلى المشروعية والرقابة.

الاستقلالية النقدية دون سلطة تحكمية

تسعى استقلالية البنك المركزي إلى منع خضوع النقد للمتطلبات السياسية الآنية. بيد أن الاستقلالية لا تعني انعدام الرقابة؛ فالتصميم المؤسسي الرصين يجمع بين تكليف وظيفي محدد، واستقلالية تشغيلية، وشفافية، وإعلان القرارات، والمساءلة.

ويتناول ميثاق شفافية البنوك المركزية الصادر عن صندوق النقد الدولي الشفافية تحديداً بوصفها مكملاً للاستقلالية. ومن منظور ليبرالي، يعد هذا الجمع أمراً جوهرياً: فالحد من تدخل الحكومة القائمة لا يبرر خلق سلطة أخرى تتسم بالغموض. إذ يجب أن تشمل القيود كلاً من السلطة التنفيذية والسلطة النقدية على حد سواء.

توقعات تنتقل إلى الأسعار والعقود

لا تفسر التوقعات كل ارتفاع في الأسعار، لكنها تؤثر في انتقال أثره. فإذا تغير الهدف الرسمي دون تفسير، أو فقدت الإحصاءات مصداقيتها، أو تناقضت التدابير المتخذة، يسعى الأفراد لحماية أنفسهم بالاستناد إلى المعلومات المتاحة؛ فيعدلون المخزونات السلعية، ويعيدون التفاوض على الأجور، ويستبدلون العملة، أو يقصرون الآجال الزمنية.

تمييز مفيد: تفسر الصدمة سبب بدء الارتفاع، بينما تساعد السياسة المالية والاستجابة النقدية والتوقعات والعقود في تفسير سبب إمكانية استمراره.

عندما يخل التضخم بالعقود

لا يقتصر دور النقد على تمكين الشراء فحسب، بل يوفر أيضاً وحدة لقياس القيم ومقارنتها وترحيل الاتفاقات إلى المستقبل. ويؤدي التضخم غير المتوقع إلى تعديل القيمة الحقيقية للديون والأجور والإيجارات والمدفوعات المتفق عليها؛ فيفيد المدين في بعض الحالات، بينما تنقل بنود التعديل أو أسعار الفائدة المتغيرة المخاطر في حالات أخرى. أما العامل الثابت فهو الصعوبة المتزايدة في معرفة ما يتم التعهد به فعلياً بالقيمة الحقيقية.

إن التكيف أمر ممكن عبر: عقود أقصر أجلاً، أو الربط بمؤشرات قياسية، أو استخدام عملة أخرى، أو إعادة التفاوض المتكرر. غير أن التكيف ينطوي على تكاليف؛ فهو يتطلب مزيداً من المعلومات والاستشارات والمتابعة، ويضر بصفة خاصة بمن لا يملك وسيلة للتحوط، كما يقلص المدى الزمني الذي يقبل فيه طرفان الالتزام بتخصيص الموارد. وليست الآثار على القوة الشرائية سوى جزء من الضرر؛ إذ تضعف أيضاً الوظيفة التنسيقية للعقود.

توضح الحالة التاريخية الأرجنتينية التي درستها جامعة المركز للدراسات الاقتصادية الكلية في الأرجنتين كيف يمكن للتضخم وحالات التخلف عن السداد وانعدام اليقين القانوني أن تقترن بفقدان الثقة في العملة وفي النظام المالي. وتعد هذه حالة بعينها وليست قانوناً كونياً؛ وتتلخص عبرتها العامة بأسلوب أكثر حذراً: إذا تغيرت قواعد توزيع الخسائر على نحو لا يمكن التنبؤ به، يصبح الادخار والإقراض والاستثمار طويل الأجل أمراً أشد صعوبة.

وهنا يبرز بُعد كلاسيكي من أبعاد سيادة القانون. فالأمان القانوني لا يقتضي تجميد كل عقد في مواجهة الظروف الاستثنائية، بل يتطلب أن يستند أي تدخل إلى أساس قانوني، وضوابط، ومعايير عامة، ومراجعة. ودون هذه الضمانات، يمكن للاستجابة للتضخم أن تفاقم الأزمة المؤسسية التي كانت تسعى إلى احتوائها.

الاتجاه المعاكس: من الأسعار إلى قدرة الدولة

حتى الآن، اتجه المسار من المؤسسات نحو استمرار التضخم، بيد أن السهم يمكن أن ينعكس أيضاً.

أولاً، يعقد التضخم الموازنة؛ فعندما تُحسب الضرائب وتُجبى بمهلة تأخير، قد تتلقى الدولة إيرادات ذات قيمة حقيقية أدنى. وتوثق دراسة لصندوق النقد الدولي أن فترات التأخير هذه قد تؤدي إلى تآكل الإيرادات الضريبية، رغم أن الأثر يتوقف على تصميم النظام الضريبي. وفي الوقت نفسه، تتطلب أجور القطاع العام والمعاشات التقاعدية والمشتريات والمشاريع العامة تعديلات، مما يجعل التخطيط للإنفاق ومراقبته أكثر صعوبة.

ثانياً، يتفاقم الصراع على التوزيع؛ فالتضخم لا يمس الجميع في الوقت نفسه ولا بالنسبة ذاتها. ويحدد كل تعديل في الرسوم أو الأجور أو الضرائب أو العقود الطرفَ الذي سيتحمل الخسارة. وإذا بدت القرارات تعسفية، يمكن للخلاف الاقتصادي أن يتحول إلى نزاع حول المشروعية والمساواة أمام القانون.

ثالثاً، تتكاثر استجابات الطوارئ؛ إذ قد تعِد إجراءات التجميد، والاستثناءات، وتعدد أسعار الصرف، والإعانات المرتجلة، أو التعديلات التعاقدية بانفراجة آنية. وقد يكون لبعض التدابير المؤقتة ما يبررها في مواجهة أزمة محددة، لكن الخطر المؤسسي ينشأ عندما تصبح هذه التدابير اعتباطية أو دائمة أو منيعة ضد الرقابة.

وأخيراً، يؤدي فقدان الثقة إلى تقليص قدرة السلطات على تنسيق التوقعات. وإذا توقفت البيانات الرسمية عن التمتع بالمصداقية، فإن تحقيق الاستقرار يتطلب إجراءات أشد وطأة وأعلى كلفة. وقد يزيد ذلك من المقاومة الاجتماعية ويغذي استثناءات جديدة. وتكتمل الدائرة المغلقة: إذ يؤدي تراجع القدرة المؤسسية إلى تعسير الاستقرار، في حين يؤدي فشل الاستقرار إلى مزيد من تقويض تلك القدرة.

تحذير: قد يوقف خفض التضخم جزءاً من التدهور، لكنه لا يصلح تلقائياً الإحصاءات غير الموثوقة، أو العقود المنتهكة، أو الرقابة الضعيفة، أو المالية العامة غير المستدامة.

ما الذي يكسر هذه الحلقة

لا توجد مؤسسة بمفردها قادرة على ضمان الاستقرار. وتربط التجربة اللاتينية التي فحصها بنك التنمية للبلدان الأمريكية بين التحسن في الاقتصاد الكلي ومزيج يضم بنوكاً مركزية أكثر استقلالية، ومؤسسات معنية بالمالية العامة، وقيوداً سياسية. وتعد هذه أدلة إقليمية خاصة بفترة زمنية محددة، وليست وصفة عالمية، غير أنها تدعم فكرة مهمة: المؤسسات تعمل كنظام متكامل.

إن كسر هذه التغذية الراجعة يتطلب اتساقاً على جبهات متعددة:

  • مسار مالي يستطيع الجمهور فهمه ولا يعتمد بصفة روتينية على التمويل النقدي؛
  • سلطة نقدية ذات تكليف واضح، وقدرة تشغيلية، وبيانات منشورة، ومسؤولية عن قراراتها؛
  • قواعد عامة للعقود وحالات الإفلاس والتسويات، بدلاً من عمليات إعادة التوزيع المرتجلة؛
  • إحصاءات موثوقة وتفسيرات تتيح تقييم الأهداف والنتائج على حد سواء.

تقيد هذه الشروط السلطة، غير أنها تجعل ممارستها بصورة مشروعة أمراً ممكناً أيضاً. فالحكومة الخاضعة للموازنة والرقابة القانونية أقدر على الحفاظ على التزامات طويلة الأجل. والبنك المركزي المستقل والشفاف يستطيع مقاومة الضغوط الفورية دون أن يفلت من التدقيق العام. كما يتيح نظام قانوني يمكن التنبؤ به توزيع المخاطر دون التعهد بألا يتكبد أحد أي خسارة.

لا حتمية نقدية ولا مسار مؤسسي مختصر

يمكن للتضخم أن يبدأ دون أزمة مؤسسية، كما يمكن لأزمة مؤسسية أن توجد دون تضخم مرتفع؛ والفيصل هو ما يحدث بعد الصدمة الأولى. فعندما يقيد العجزُ العملةَ، وتفقد الوعود مصداقيتها، وتصبح القواعد التعاقدية غير قابلة للتنبؤ، يمكن لمشكلة الأسعار أن تكتسب طابع الاستمرار. وعندما يقلص هذا الاستمرارُ القدرةَ المالية، ويضاعف النزاعات، ويكرس الاستثناءات كأمر طبيعي، فإنه قد يضعف المؤسسات بدوره أيضاً.

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب ما هو أكثر من خفض مؤشر شهري؛ إذ يتطلب إعادة بناء القدرة على التخطيط: بأن تحظى الموازنة بالدعم والغطاء المالي، وأن تقدم السلطة النقدية التفسيرات وتخضع للمساءلة، وألا ترتهن العقود لقرارات ذات أثر رجعي. ولا يقوم الاستقرار الدائم على الاختيار بين اقتصاد جيد ومؤسسات جيدة؛ بل يقوم على الإقرار بأنه في غياب ضوابط يمكن التحقق منها والتزامات ذات مصداقية، لا يمكن لأي منهما البقاء طويلاً.

عن الكاتب

دانيال ساردا متخصص في تحسين محركات البحث ومحرر Libertatis Venezuela. يكتب عن الليبرالية والاقتصاد السياسي والمؤسسات والدعاية والحرية الفردية من منظور مستقل وغير حزبي.

قراءة الملف الكامل