المساواة في الحقوق: ما تعنيه وما لا تنطوي عليه

تحمي المساواة في الحقوق الكرامة القانونية ذاتها لكل شخص. ويتطلب فهمها التمييز بين القواعد المتساوية، والفرص، والإنصاف، والنتائج.

بقلم Daniel Sardá · تاريخ النشر:

مدة القراءة: 6 دقيقة1,199 كلمة

في هذه الصفحة · 6 أقسام

تعني المساواة في الحقوق أن جميع الأفراد يمتلكون الكرامة القانونية ذاتها ويجب أن يتمكنوا من ممارسة حقوقهم وحرياتهم دون تمييز. وهي لا تفترض أننا جميعاً متطابقون، أو أن لدينا التفضيلات ذاتها، أو أننا سنحقق النتائج نفسها. بل تؤكد أمراً أكثر دقة: لا يوجد شخص أقل قيمة أمام القانون، ولا يمكن حرمان أي فرد بصورة تعسفية من حمايته.

يكتسب هذا التحديد الدقيق أهمية لأن كلمة المساواة تَرِد في نقاشات متباينة للغاية؛ فهي تشير أحياناً إلى القواعد والمعايير، وتارة إلى الوصول إلى الفرص، وتارة أخرى إلى توزيع السلع أو النتائج. وقد تكون هذه المسائل مترابطة، لكنها ليست متكافئة. ويؤدي الخلط بينها إلى صعوبة تبين أي مبدأ هو المطروح للنقاش وما نوع الاستجابة التي تُعد معقولة.

فكرة أساسية: المساواة في الحقوق لا تلغي الفروق بين الأفراد، بل تمنع تحول هذه الفروق، دون مبرر سليم، إلى حقوق أعلى للبعض وأدنى لآخرين.

مكانة قانونية واحدة للجميع

يجمع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ثلاث أفكار جوهرية؛ إذ تُقِر المادة 1 منه بأن جميع البشر يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وتنص المادة 2 على حق كل فرد في التمتع بهذه الحقوق دون أي تمييز، في حين تعلن المادة 7 المساواة أمام القانون والحق في التمتع بحماية متكافئة.

وتُتيح هذه الأحكام، عند النظر إليها مجتمعة، فهم المساواة في الحقوق بوصفها أحقية وحماية متساويتين. فالحقوق ليست مكافآت تُمنح بسبب الانتماء إلى أغلبية، أو التمتع بمكانة اجتماعية معينة، أو مشاطرة الحاكم قناعاته، بل تثبت للإنسان بصفته هذه.

ولا يعني هذا أيضاً أن جميع الحقوق تعمل بالطريقة ذاتها في جميع الظروف؛ إذ إن لحرية التعبير، والملكية، والمشاركة السياسية، والضمانات الإجرائية مضامين وحدوداً متباينة. وتعمل المساواة هنا بوصفها معياراً شاملاً: فعندما تعترف مؤسسة ما بحق أو تحميه، لا يجوز لها استبعاد أشخاص معينين بصورة تعسفية.

المساواة أمام القانون: القواعد في مواجهة الامتياز

تقتضي المساواة أمام القانون وجود إطار قانوني مشترك، ومتاح، وقابل للتطبيق دون محاباة. ويتمثل خصمها التاريخي والمفاهيمي في الامتياز: أي وجود أذونات أو حصانات أو أعباء تُوزع بناءً على القرب من السلطة، أو أصل الشخص، أو وضعه، وليس وفق قواعد عامة قابلة للتبرير.

تعترف المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالمساواة أمام القانون وبالحق في حماية متساوية وفعالة ضد التمييز. ولا يقتصر هذا الضمان على تكرار وجوب احترام الحقوق المنصوص عليها في العهد دون تمييز؛ بل يتمتع بنطاق تطبيقي خاص يتعلق بالقانون وحمايته.

من منظور الليبرالية الكلاسيكية، تُقيد هذه المساواة السلطة التقديرية للحكم. فلا ينبغي لسلطة خاضعة للقواعد أن تقرر من يستحق الحماية وفقاً للتعاطف السياسي أو الهويات الجماعية. ومن ثمّ، توفر عمومية القانون دفاعاً مؤسسياً عن الحرية: إذ تصعّب على الحاكم صياغة قاعدة لمحاباة حلفائه أو لمعاقبة خصومه.

غير أن القاعدة العامة لا تكون عادلة لمجرد صياغتها بعبارات مجردة؛ إذ يتعين أيضاً فحص غايتها ومعاييرها وآثارها. فقد تضع قاعدة تبدو محايدة في ظاهرها عقبات تمنع أشخاصاً معينين، من الناحية العملية، من ممارسة حق ما في ظروف قابلة للمقارنة.

خمسة مفاهيم متقاربة لكنها ليست مترادفة

يتضح جزء كبير من النقاشات الدائرة حول المساواة عند الفصل بين أسئلة متباينة:

  • المساواة القانونية أو الشكلية: تبحث فيما إذا كانت القاعدة تعترف بالمكانة القانونية ذاتها وتعامل الحالات القابلة للمقارنة بطريقة متشابهة.
  • المساواة الموضوعية: تدرس بالإضافة إلى ذلك ما إذا كانت هناك عقبات أو آثار غير مباشرة تجعل مجرد حياد النص غير كافٍ.
  • تكافؤ الفرص: يعنى بالوصول إلى المناصب أو الإجراءات أو الموارد، وبما إذا كانت هناك عوائق غير مبررة عند نقطة الانطلاق.
  • الإنصاف: يشير عادة إلى معيار تصحيحي يراعي الفروق ذات الصلة. ويجب تحديد مضمونه في كل نقاش؛ إذ إن مجرد التذرع به لا يثبت بحد ذاته عدالة أي إجراء.
  • المساواة في النتائج: تشير إلى الكيفية التي ينتهي بها توزيع سلع أو مداخيل أو مناصب أو إنجازات معينة.

لا تعني المساواة الموضوعية بالضرورة فرض نتائج متطابقة؛ فالسؤال المميز لها هو ما إذا كانت القاعدة والظروف الواقعية تتيح ممارسة الحق بالفعل. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي اشتراط مطلب متطابق للحصول على خدمة ما إلى استبعاد شخص ذي إعاقة، إذا كانت ترتيبات تيسيرية معقولة ستتيح له الوصول إليها دون الإخلال بالغرض المشروع للخدمة.

وعلى العكس من ذلك، يمكن لشخصين يتمتعان بحقوق متساوية أن يتخذا قرارات متباينة، ويتحملا مخاطر مختلفة، ويصلا إلى نتائج غير متساوية. ولا تثبت هذه الفروق بحد ذاتها وجود انتهاك للحقوق. فقد تبرر إجراء فحص لوجود حواجز أو تمييز، لكنها لا تغني عن ذلك التحليل.

فكرة أساسية: تُحدد المساواة في الحقوق وضعاً قانونياً؛ في حين تصف المساواة في النتائج نمطاً من أنماط التوزيع. والانتقال من إحداهما إلى الأخرى يتطلب حججاً إضافية.

هل كل تمايز في المعاملة يُعد تمييزاً؟

كلا. فالمعاملة بمساواة لا تعني دائماً الاستجابة بطريقة متطابقة. إذ يشغل القاصر والبالغ، أو المتهم والقاضي، أو من يستوفي متطلباً مشروعاً ومن يخل به، أوضاعاً تختلف في جوانب ذات صلة. وبمقدور القانون أن يعترف بهذه الفروق دون أن ينشئ تراتبية في الكرامة.

يوضح التعليق العام رقم 18 للجنة حقوق الإنسان أن ليس كل تمايز يشكل تمييزاً. ولكي يكون التمايز مقبولاً، يجب أن يستند إلى معايير معقولة وموضوعية وأن يتوخى غاية مشروعة وفقاً للعهد.

ويتفادى هذا الفحص خطأين متناقضين: يتمثل الأول في نعت أي تصنيف بأنه تمييزي، في حين يتمثل الثاني في قبول أي تمايز لمجرد أن القانون يصيغه بأسلوب عام. أما السؤال السديد فهو أكثر تطلباً: ما الغاية التي ينشدها هذا التمايز، وما علاقة المعيار بتلك الغاية، وكيف يؤثر ذلك في ممارسة الحقوق؟

فاشتراط حد أدنى للسن لممارسة نشاط ينطوي على مخاطر، على سبيل المثال، قد يلبي غاية مشروعة. وفي المقابل، فإن حرمان شخص من خدمة عامة بسبب أصله العرقي لا يرتبط بأي علاقة قابلة للتبرير بتقديم تلك الخدمة، ويقوض مكانته القانونية المتساوية.

وتتطلب التدابير الرامية إلى التغلب على عائق حقيقي قدراً مماثلاً من العناية؛ إذ يمكنها أن تحمي الممارسة الفعلية لحق ما، غير أن تصميمها يقتضي التقييم: ما هو العائق، ومن يتأثر به، وما إذا كان التدبير متناسباً، وما إذا كان يتفادى خلق امتيازات دائمة أو قيود غير ضرورية على أطراف أخرى.

المساواة والحرية حاجة متبادلة

إن تصوير المساواة في الحقوق والحرية كطرفين نقيضين يؤدي إلى تعارض زائف. فمن دون المساواة القانونية، تتحول الحرية إلى تصريح انتقائي: يتمكن البعض بموجبه من التعبير، أو التعاقد، أو تكوين الجمعيات، أو الدفاع عن ملكيتهم، بينما يعتمد الآخرون على تسامح أصحاب السلطة. ومن دون الحرية، يمكن للمساواة أن تنحدر إلى نمطية قسرية تعجز عن احترام مشاريع الحياة المتنوعة.

ويمر الرابط بينهما عبر الكرامة الفردية؛ فكل شخص هو صاحب حقوق، وليس قطعة قابلة للاستبدال ضمن جماعة ما. ولهذا السبب، يجب أن تحمي سيادة القانون الحريات المشتركة من خلال قواعد معلنة، وسلطات محدودة، وإجراءات تتيح التظلم في مواجهة التجاوزات.

فكرة أساسية: إن مجتمعاً يتساوى أفراده في الحقوق لا يعِد بمسارات حياة متطابقة، بل يعِد بأن السلطة سيكون عليها تبرير تمايزاتها وأنه لن يبقى أحد، من حيث المبدأ، خارج حماية القانون.

كيف نقيّم الوعود بالمساواة

عندما يستند خطاب سياسي أو قاعدة قانونية أو مؤسسة ما إلى المساواة، يجدر التساؤل أولاً عن أي مساواة يتحدث؛ هل يسعى إلى ضمان الأحقية في حق ما، أم القضاء على تمييز، أم إتاحة فرصة، أم تصحيح عائق، أم مساواة في نتيجة معينة؟ ثم يتعين بعد ذلك فحص الوسيلة المقترحة: هل تستخدم معايير موضوعية؟ وهل تحترم حريات الجميع؟ وهل تحد من التعسف أم تمنح مزيداً من السلطة التقديرية؟

لا تقدم المساواة في الحقوق حلاً جاهزاً وتلقائياً لكل سياسة اجتماعية أو اقتصادية، لكنها توفر نقطة انطلاق راسخة؛ إذ تعترف بكل فرد بوصفه نداً في الكرامة، وتُخضع الفروق في المعاملة للتبرير، وترفض الامتيازات والإقصاء التعسفي على حد سواء. وفي هذا الجمع بين الحماية المتساوية والحرية الفردية تكمن قيمتها: تمكين أفراد مختلفين من التعايش في ظل قواعد لا تحوّل الاختلاف إلى تبعية.

عن الكاتب

دانيال ساردا متخصص في تحسين محركات البحث ومحرر Libertatis Venezuela. يكتب عن الليبرالية والاقتصاد السياسي والمؤسسات والدعاية والحرية الفردية من منظور مستقل وغير حزبي.

قراءة الملف الكامل