لنتخيل أن أستاذًا يشرح نظرية مثيرة للجدل، ويفحص أدلتها، ويعرض أسباب اعتباره لتفسير تتبناه أقلية أمرًا مقنعًا. وتفضل إدارة المؤسسة استنتاجًا آخر. فهل يحق لها أن تأمره بتدريس إجابة واحدة لأسباب سياسية أو أيديولوجية؟ توجد حرية التدريس، تحديدًا، لحماية مساحة من التقدير المهني في مواجهة هذا النوع من الفرض.
وبالمعنى العام، هي صلاحية الأستاذ في التدريس ومناقشة الأفكار واختيار المقاربات الأكاديمية دون الخضوع لعقيدة مذهبية تفرضها السلطة العامة أو المؤسسة نفسها. ومع ذلك، فهي ليست رخصة لتدريس أي شيء بأي شكل من الأشكال؛ إذ تعمل ضمن تخصص معرفي، ووظيفة تعليمية، ومسؤوليات تجاه المتعلمين.
ويختلف تكييفها القانوني المحدد باختلاف البلد والمستوى التعليمي ونوع المؤسسة. ولهذا السبب، يحسن أولًا فهم وظيفتها وعدم تحويل التنظيم القانوني في نظام قانوني معين إلى قاعدة عامة شاملة.
فكرة أساسية: تحمي حرية التدريس التقدير الأكاديمي للأستاذ؛ ولا تحوّل كل رأي شخصي يُبدى داخل قاعة التدريس إلى ممارسة مهنية محمية.
ما الذي تحميه حرية التدريس؟
إن جوهرها هو الاستقلالية اللازمة للبحث عن المعرفة ونقلها. وهي تحمي الأستاذ الذي يختار منهجًا معقولًا، أو يقارن بين التفسيرات، أو يقدم أدلة محرجة، أو يخالف موقفًا رسميًا دون خشية التعرض لأعمال انتقامية بسبب الاستنتاج الذي توصل إليه.
وتربط توصية اليونسكو بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي هذه الحرية بالتعليم والنقاش دون التقيد بمذاهب مفروضة مسبقًا، وبالحماية من الرقابة المؤسسية. ويتعلق الأمر بإطار دولي للتعليم العالي، لا بقانون متطابق وقابل للتطبيق المباشر في جميع البلدان. ومع ذلك، فإن هذا الإطار يسهم في تبيان الغاية المراد الحفاظ عليها: ألا تخضع المعرفة لطاعة أيديولوجية.
وتتسم هذه الحماية ببعد سلبي واضح: إذ ينبغي ألا تفرض أي سلطة على الأستاذ الاستنتاج السياسي أو الفلسفي أو العلمي الذي يجب عليه الدفاع عنه. كما تنطوي على بعد إيجابي: فالأستاذ بحاجة إلى هامش فعلي لتنظيم العرض، ومقارنة الحجج، واستخدام المناهج الملائمة لمجال تخصصه.
وهذا الهامش ذو أهمية حتى عند وجود منهج دراسي موحد. إذ يمكن لأستاذين تغطية الحدود الدنيا نفسها من المحتوى، مع التزام قدر مكافئ من الدقة، واستخدام أمثلة أو مراجع ببليوغرافية أو تسلسلات مختلفة. ولا ينبغي الخلط بين التماثل الإداري والجودة الأكاديمية.
لا تتطابق مع حرية التعبير
إن حرية التعبير حق يثبت، بوجه عام، لكل شخص ويكفل نقل الأفكار في مجالات شديدة التنوع. أما حرية التدريس، في المقابل، فترتبط بوظيفة مهنية محددة: التعليم.
ويتضح الفارق من خلال مثال توضيحي. فقد تكون للأستاذ، بوصفه مواطنًا، آراء راسخة في الدين أو الاقتصاد أو السياسة. بيد أن وجوده داخل قاعة التدريس لا يحول تلك القناعات تلقائيًا إلى محتوى أكاديمي. فإذا استبدل بالمنهاج الدراسي وعظًا شخصيًا، أو تحاشى كل دليل مناقض، أو عاقب الطالب الذي يختلف معه، فإنه حينئذ لم يعد يمارس حريته التدريسية بمسؤولية.
وتوفر حرية التدريس حماية محددة لأن التعليم يقتضي فحص الحجج، وطرح أسئلة صعبة، ومراجعة الإجماعات القائمة. وفي الوقت نفسه، تفرض انضباطًا خاصًا بها: الصلة بالمادة، والأمانة إزاء الأدلة، والتعامل المنصف مع المواقف والآراء المنافسة.
حرية التدريس، والحرية الأكاديمية، والاستقلال الجامعي
ترتبط هذه المفاهيم فيما بينها، لكنها ليست مترادفة أو قابلة للتبادل.
- حرية التدريس تركز على عملية التعليم وعلى التقدير المهني الذي تتطلبه.
- الحرية الأكاديمية أوسع نطاقًا: فبالإضافة إلى التدريس، تشمل البحث والنشر وانتقاد المؤسسة والمشاركة في الحياة الأكاديمية. وتعد حرية البحث العلمي أحد أبعادها.
- استقلالية الجامعات تخص المؤسسة ذاتها؛ إذ تتيح لها إدارة شؤونها الأكاديمية والإدارية، ووضع المعايير، وأداء رسالتها في إطار من المساءلة.
وقد يحمي الاستقلال المؤسسي الجامعةَ من التدخلات السياسية الخارجية، موفرًا بيئة مواتية للأساتذة والباحثين. لكنه قد يدخل أيضًا في حالة توتر معهم؛ فالمؤسسة المستقلة لا تفقد قدرتها على ممارسة الرقابة، والأستاذ المتمتع بالحرية لا يعفى من الخضوع للقواعد الأكاديمية المشروعة.
ولا تقوم العلاقة السليمة على إلغاء طرف للطرف الآخر. إذ يمكن للجامعة تحديد أهداف المنهج وإجراءات التقييم؛ بينما يجب أن يحتفظ الأستاذ بمساحة للتفسير والمحاجة والتدريس دون أن يُملى عليه استنتاج محدد. وتسهم المشاركة الجماعية القائمة على التشاور في القرارات الأكاديمية في صون هذا التوازن.
تمييز مفيد: يحمي الاستقلال الجامعي الإدارة الذاتية للمؤسسة؛ بينما تحمي حرية التدريس التقدير المهني للأستاذ داخلها. وهما يتكاملان لكن لا يحل أحدهما محل الآخر.
ما هي حدودها؟
قد يبدو الحديث عن الحدود مثيرًا للريبة حين يكون الهدف هو منع الرقابة. غير أن الحرية المهنية لا تحافظ على معناها إلا إذا ارتبطت بالممارسات التي تبرر حمايتها.
وتشمل المسؤوليات الجوهرية ما يلي:
- تغطية المحتويات ذات الصلة واحترام الأهداف الأكاديمية المعقولة؛
- التمييز بين الدليل والتفسير والرأي الشخصي؛
- التقييم وفق معايير متسقة ومعلنة ومرتبطة بعملية التعلم؛
- عرض الحجج المعارضة ذات الصلة بطريقة منصفة؛
- معاملة الطلاب باحترام، دون معاقبة الاختلاف القائم على المحاجة العقلانية؛
- التصرف بأمانة فكرية والإقرار بحدود المعرفة الذاتية.
ويُظهر المقال الأكاديمي “La libertad de cátedra: ¿una libertad malentendida?”، الذي يركز على التجربة المكسيكية والتعليم في مجال العلوم الصحية، لماذا لا تبرر الحرية التعليمية تجاهل المناهج الدراسية أو معايير التقييم أو حقوق الطلاب. ولا يضع تحليله قاعدة عامة، لكنه يوضح تمييزًا عمليًا: إن الوفاء بالمتطلبات الأكاديمية لا يعني في حد ذاته الانصياع لعقيدة مذهبية.
والسؤال الجوهري هنا هو ما الذي تهدف إليه القاعدة. فاشتراط أن تدرّس مادة التفاضل والتكامل موضوع التفاضل والتكامل، أو أن تكون معايير التقييم متسقة، أو أن يكون الادعاء التجريبي قابلًا للتبرير، أمور تسهم في أداء الرسالة التعليمية. أما فرض أن يفضي كل نقاش إلى استنتاج حزبي محدد سلفًا فيؤدي وظيفة أخرى: السيطرة على الأفكار.
وليس كل نزاع إداري رقابة، مثلما أنه ليس كل تنظيم محايدًا. ولتقييم نزاع ملموس، يلزم الرجوع إلى النظام القانوني والعقد والقواعد المؤسسية المعمول بها. ويوجه المبدأ العام التحليل، لكنه لا يغني عن هذا الفحص.
تحذير: ليست الدقة الصارمة عدوًا لحرية التدريس، بل هي ما يتيح التمييز بين درس مفتوح على التقصي وممارسة تعسفية للسلطة على الطلاب.
دفاع عن التعددية، لا عن التلقين العقائدي
ويذهب الاعتراض الأكثر جدية إلى أن منح الأستاذ استقلالية يسهل التلقين العقائدي. وهذا الخطر قائم بالفعل إذا فُهمت مهمة التدريس بوصفها سلطة أحادية الجانب. بيد أن الحل لا يكمن في استبدال عقيدة إلزامية تفرضها سلطة ما بالقناعة الفردية للأستاذ.
وتقتضي الحرية المفهومة على نحو سليم إمكانية مساءلة الأفكار. إذ يجب أن يتمكن الأستاذ من طرح أطروحة غير مريحة، كما يجب أن يتمكن الطالب من طلب البراهين، ومقارنة المصادر، وتقديم الاعتراضات دون أن يعاقَب على مخالفته في الرأي. وتنبع سلطة الأستاذ من وظيفته وكفاءته، لا من حق في الحصول على التأييد.
ومن منظور ليبرالي، تحد حرية التدريس من الاستحواذ السياسي على المعرفة وتوزع السلطة الفكرية: فلا يوجد أي مكتب يمتلك سلفًا الإجابة التي يتعين على الجميع ترديدها. غير أن هذه اللامركزية لا تعمل إلا إذا اقترنت بالمسؤولية المهنية، والإجراءات المنصفة، والانفتاح على النقد.
ولا يتمثل المقصد النهائي في تفضيل الأستاذ على الطالب، ولا الجامعة على المجتمع، بل في صون الشروط التي يصبح فيها التعليم فحصًا للأسباب والحجج، والتعلم شيئًا يتجاوز مجرد حفظ استنتاجات معتمدة. وتكتسب حرية التدريس أهميتها لأنها تبقي ذلك الفضاء—الهش دائمًا—مفتوحًا بين انضباط المعرفة وحرية التفكير.
مشاركة