يحاول شخص ما الاطلاع على تنبيه طوارئ، لكن الصفحة لا تفتح. ويعجز متجر عن معالجة عملية دفع. وتفقد مجموعة من الجيران القناة التي كانت تنسق من خلالها. يُحدث انقطاع الاتصال العَرَض المباشر نفسه في الحالات الثلاث، غير أن سببه مهم: فالعطل الفني ليس كقطع الاتصال المفروض عمداً.
في النقاش الدائر حول انقطاعات الإنترنت والحقوق الرقمية، يشكل هذا التمايز نقطة الانطلاق. فإن انقطاع الإنترنت هو تعطيل متعمد للاتصالات عبر الإنترنت لفئة من السكان أو لنطاق جغرافي ما، يصدر بأمر من حكومة أو يُنفَّذ نيابة عنها. ويمكن أن يشمل بلداً بأكمله أو منطقة معينة، أو شبكة ثابتة أو محمولة، وقد يتخذ شكل قطع كلي أو إبطاء يجعل الاتصال غير قابل للاستخدام عملياً.
وبناءً على ذلك، لا يُعد كل انقطاع في الاتصال انقطاعاً متعمداً. كما لا تعمل كافة القيود الرقمية بالآلية ذاتها. فتسمية المشكلة بدقة تتيح قياسها، وتحديد المسؤوليات بناءً على الأدلة، وتقييم ما إذا كان التدخل يحترم الحقوق.
فكرة أساسية: قد يكون الأثر الظاهر هو "غياب الإنترنت"، إلا أن التحقيق في السبب وحده هو ما يتيح التمييز بين الخلل الفني والتقييد المتعمد.
الانقطاع المتعمد والعطل والحجب ليست مترادفات
قد ينجم الانقطاع العرضي عن انقطاع في التيار الكهربائي، أو تلف في كابل، أو ازدحام في الشبكة، أو أخطاء فنية. ورغم أن عواقبه قد تكون جسيمة، إلا أنه لا يثبت بحد ذاته أن ثمة من حاول منع الاتصال. إذ يتطلب الجزم بوجود نية أو تحديد جهة مسؤولة أدلة إضافية.
من ناحية أخرى، يمنع الحجب الانتقائي الوصول إلى مواقع أو تطبيقات أو خدمات معينة، بينما يظل باقي الاتصال متاحاً. أما انقطاع الإنترنت، بمفهومه الفني الأكثر دقة، فيقطع الاتصال أو يُضعفه على نطاق واسع. وتستخدم بعض المؤسسات الدولية تعريفاً أوسع يشمل أيضاً التعطيل المتعمد لخدمات الاتصال الأساسية. ومن ثم، يجدر توضيح المعنى المستخدم في كل تحليل.
لا تقلل هذه الفروق من شأن عمليات الحجب الانتقائي؛ بل تفيد في إدراك أن الإجراءات تتفاوت في نطاقها وفي الأضرار الجانبية المترتبة عليها. فحجب وجهة محددة وفصل منطقة بأكملها عن الشبكة قد يؤثران كلاهما في الحقوق، لكنهما لا يؤثران على العدد نفسه من الأشخاص ولا يتطلبان التحليل الفني ذاته تماماً.
كما ينبغي الفصل بين سؤالين: الأول واقعي: ما الذي توقف عن العمل، ولأي مدة، ولمن؟ والثاني قانوني ومؤسسي: من اتخذ القرار، وبأي سلطة، وتحت أي مبرر؟ يمكن لبيانات الشبكة أن تثبت وجود خلل غير اعتيادي، لكنها لا تكفي دائماً للإجابة عن السؤال الثاني.
لماذا يكتسب الاتصال أهمية لممارسة الحقوق
لا يحتاج الإنترنت إلى أن يُقدَّم كحق مطلق حتى يُعترف بأهميته؛ فهو بنية تحتية تتيح ممارسة حريات تحظى بالحماية بالفعل. فالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحمي حرية التعبير: التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها؛ كما تحمي المادة 21 منه حرية التجمع. واليوم، يجري أو يُنظَّم جزء كبير من هذه الأنشطة عبر الإنترنت.
عند انقطاع الاتصال، قد يفقد الفرد القدرة على الوصول إلى الأخبار وقنوات التعبير عن الرأي. وقد تجد جماعة ما نفسها مجردة من وسائل الدعوة إلى اجتماع أو الإحاطة بالمستجدات الطارئة. وقد يعجز الطلاب والعمال عن الوصول إلى الفصول الدراسية أو المنصات أو الوثائق. كما يمكن أن تتضرر خدمات الصحة والإغاثة والطوارئ، وذلك بحسب مدة القطع ونطاقه وسياقه.
وقد وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن هذه الانقطاعات يمكن أن تؤثر، علاوة على التعبير والتجمع، في التعليم والعمل والصحة وغيرها من الخدمات الأساسية. وتكتسب الصياغة الحذرة هنا أهمية: فلا يُحدث كل انقطاع كافة تلك الأضرار، إلا أن قطع الاتصال على نطاق واسع يرفع من احتمالية ظهورها متزامنة.
فكرة أساسية: الإنترنت وسيلة تمكينية: فعند تعطيله، لا يُقيَّد نشاط واحد فقط، بل قرارات مشروعة متعددة لأشخاص ليسوا جزءاً من الهدف المعلن.
معضلة الإضرار بأطراف ثالثة
لا يميز الأمر العام الشامل بين من يُفترض أنه مصدر التهديد وبين من يحاول التحدث مع عائلته، أو تحصيل ثمن عملية بيع، أو طلب النجدة. وهذا الافتقار إلى الدقة هو أحد الإشكالات الجوهرية في انقطاعات الإنترنت الواسعة: إذ تطال حتماً أطرافاً ثالثة لا علاقة لها بالسلوك الذي تدّعي السلطة مكافحته.
من منظور ليبرالي، تقلص الشبكة المفتوحة الحاجة إلى الحصول على إذن مسبق للتعبير وتأسيس الجمعيات والتبادل. وتُركّز سلطة قطع الاتصال بها قدرة استثنائية على التدخل في ملايين القرارات الفردية. ولهذا السبب، لا يكفي أن تستند السلطة إلى عبارات مثل "الأمن" أو "النظام العام". فقد تكون هذه غايات مشروعة، لكن ينبغي ربطها بتهديد ملموس وبإجراء يمكن إثبات جدواه في إطار سيادة القانون.
ويقع عبء تبرير التقييد على عاتق الجهة التي تفرضه. فكلما كان الإجراء أكثر اتساعاً وعدم تمييز وأطول أمداً، زادت صعوبة تفسير سبب إلزام أشخاص وأنشطة لا صلة لهم بالتهديد بتحمل تبعاته.
كيف يُقيَّم تقييد الاتصال؟
يوفر الإطار الدولي لحقوق الإنسان تساؤلات مفيدة. إذ يوضح التعليق العام رقم 34 للجنة المعنية بحقوق الإنسان أن القيود المفروضة على حرية التعبير يجب أن ينص عليها القانون، وأن تسعى لتحقيق إحدى الغايات المشروعة المعترف بها، وأن تستوفي شرطي الضرورة والتناسب. ورغم أن تطبيق هذا الاختبار عملياً يعتمد على النظام القانوني المعني، إلا أنه يساعد في تنظيم التحليل:
- المشروعية: هل توجد قاعدة قانونية معلنة، ومتاحة للكافة، ودقيقة بما يكفي لتخويل اتخاذ هذا الإجراء؟
- الغاية المشروعة: هل حددت السلطة هدفاً مباحاً قانوناً، بدلاً من اللجوء إلى تسويغ مبهم؟
- الضرورة: هل توجد أدلة على وجود تهديد حقيقي وعلى صلة مباشرة بين ذلك التهديد والتقييد المفروض؟
- التناسب: هل يتناسب النطاق الجغرافي والفني والزمني مع الضرر المراد تفاديه؟
- البديل الأقل تقييداً: هل كان بالإمكان بلوغ الهدف عبر تدخل محدد الهدف يمس عدداً أقل من الأشخاص؟
- عدم التمييز: هل يقع الإجراء بصورة غير متكافئة على فئة معينة دون مبرر مقبول؟
وفقاً لتقرير المفوض السامي، لا يمكن تبرير الانقطاعات الشاملة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وقد لا يمكن الدفاع عن إجراء موجه إلا في ظل ظروف استثنائية، وبوصفه ملاذاً أخيراً وعند انعدام أي بديل فعال. ولا يجعل هذا من كل نزاع حالة متطابقة، لكنه يدحض فكرة أن حالة الطوارئ تمنح سلطة مطلقة لقطع الاتصال.
تحذير: لا تجعل الغاية المشروعة أي وسيلة مشروعة تلقائياً. إذ يتعين على السلطة أن توضح سبب كون قطع الاتصال أمراً ضرورياً، ولماذا لم يكن خيار أقل تقييداً كافياً.
الضمانات قبل القطع وخلاله وبعده
إن وضع حد فعال للسلطة لا يتوقف على مجرد إعلان للمبادئ؛ بل يتطلب إجراءات تتيح معرفة القرار والطعن فيه ومراجعته. ومن بين الضمانات المؤسسية ذات الصلة: صدور أمر معلن ذي نطاق ومدّة محددين، وإخطار السكان في الوقت المناسب، والرقابة المستقلة، وسبل الانتصاف المتوافقة مع الإجراءات القانونية الواجبة للمتضررين.
كما تتيح الشفافية تقييم النتائج: هل حقق الإجراء الغاية المعلنة؟ وما هي الخدمات الأساسية التي عطلها؟ وهل رُفع عند زوال السبب؟ وبدون معلومات عن السلطة المسؤولة والأساس القانوني وفترة التطبيق، تصبح الرقابة العامة شبه مستحيلة.
وينبغي فحص البدائل قبل اللجوء إلى قطع الاتصال. فتبعاً لمستوى المخاطر، قد تتوفر تدابير محددة الأهداف، أو تطبيق اعتيادي للقانون في مواجهة سلوكيات بعينها، أو حماية البنية التحتية، أو بث بلاغات طوارئ عامة. ولن تكون جميعها صالحة في كل الحالات، إلا أن إلزامية النظر فيها تمنع التعامل مع اتصال مجتمع بأسره بمثابة مفتاح يُستخدم بصفة روتينية.
الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها انقطاع الإنترنت
يبدأ التحليل المسؤول بالتحقق مما حدث بالفعل، ويتجنب وصف كل عطل بأنه رقابة. ثم يتساءل عمن اتخذ القرار، وتحت أي قاعدة قانونية، وفي مواجهة أي تهديد، وبأي أدلة. وأخيراً، يقارن بين الإجراء المتخذ وآثاره على أطراف خارجية غير معنية وبين البدائل المتاحة.
يساعد هذا المسار في التمييز بين الصعوبة الفنية والتعسف في استخدام السلطة. كما يذكرنا بحقيقة أكثر جوهرية: حين يعتمد المجتمع على الشبكة للحصول على المعلومات والتجمع والعمل وطلب النجدة، فإن إيقاف تشغيلها لا يُعد مجرد قرار فني بحت؛ بل هو تدخل في حريات ملموسة، ولذلك يجب أن يخضع لقواعد معلنة وحدود صارمة ومساءلة ومحاسبة.
مشاركة