الهوية الرقمية: ما هي، وكيف تتشكل، ولماذا تكتسب أهميتها

تجمع الهوية الرقمية بين ما نقوله عن أنفسنا، وما نفعله عبر الإنترنت، وما ينسبه الآخرون —أشخاصاً أو أنظمة— إلى ملفنا التعريفي.

بقلم Daniel Sardá · تاريخ النشر:

مدة القراءة: 6 دقيقة1,284 كلمة

في هذه الصفحة · 6 أقسام

يفتح شخص ما حساباً، ويختار صورة، ويكتب نبذة تعريفية موجزة. ثم يعلّق على خبر، ويشتري كتاباً، ويظهر مُشاراً إليه في صورة لصديق. تسجّل المنصة تلك الأفعال، ولعلها تستنتج أنه يهتم بموضوعات معينة. وفي وقت وجيز، يتكوّن تمثيل رقمي يجمع بين قراراته الذاتية، وسلوكه المرصود، ومساهمات الآخرين.

ذلك التمثيل هو هويته الرقمية: وهي المجموعة المتغيرة من السمات والأفعال والارتباطات المتصلة بشخص ما في البيئات الرقمية. وليست سجلاً أحادياً ولا نسخة طبق الأصل عمن يقف خلف الشاشة؛ إذ يمكن أن تختلف بين خدمة وأخرى، وجمهور وآخر، ولحظة وأخرى، كما أنها لا تخضع أبداً لإرادة الفرد بصورة كاملة.

هوية تُبنى من مصادر متعددة

غالباً ما يتضح مفهوم الهوية الرقمية على نحو أفضل عند شرحه انطلاقاً من ثلاثة أصناف من المعلومات.

تتمثل المعلومات المصرح بها في تلك التي يقدمها الشخص بصورة صريحة: كالاسم، والصورة، والمهنة، والتفضيلات، أو الوصف المكتوب في الملف الشخصي. وحتى عندما تكون هذه البيانات صحيحة، فإن اختيارها يقدم بحد ذاته رواية جزئية وسياقية؛ فنحن لا نظهر الشيء نفسه في مجتمع مهني كما نظهره في منتدى مخصص لإحدى الهوايات.

أما المعلومات المرصودة، فتنشأ عن النشاط المسجل: مثل الصفحات التي تمت زيارتها، والمشتريات، وأوقات الاتصال، والأجهزة المستخدمة، والتفاعلات. ويمكن لهذا السلوك أن يكشف عن عادات دون أن يدونها الشخص في أي نبذة تعريفية.

وتتألف المعلومات المستنتجة من خلاصات تُستخلص استناداً إلى بيانات أخرى. إذ يستطيع النظام، على سبيل المثال، ربط مشتريات متعددة باهتمام محتمل، أو تفسير سلسلة من التفاعلات بوصفها دلالة على تفضيل معين. فعلى سبيل المثال، تطلق اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي تسمية «التنميط» على المعالجة الآلية الهادفة إلى تقييم جوانب شخصية معينة. ومع ذلك، يظل الاستنتاج مجرد تقدير: قد يكون مفيداً، أو جزئياً، أو خاطئاً بكل بساطة.

وتُضاف إلى هذه المصادر الثلاثة تدخلات الأطراف الخارجية؛ إذ يمكن لإشارة، أو مراجعة، أو ذكر، أو صورة ينشرها شخص آخر أن ترتبط بالمرء أيضاً. وتؤكد كل من الجامعة الوطنية للتعليم عن بُعد والمعهد الوطني للتقنيات التعليمية وتدريب المعلمين على هذا التضافر بين ما يقدمه الفرد، والنشاط الذي يمارسه، والتصورات التي ينشئها الآخرون.

فكرة أساسية: الهوية الرقمية ليست مجرد ما ينشره المرء عن نفسه؛ بل تشتمل أيضاً على سجلات وتفسيرات ومساهمات لا يتحكم فيها بشكل كامل.

لا توجد نسخة رقمية واحدة لكل شخص

قد يوحي الحديث عن «الهوية» الرقمية بصيغة المفرد بوجود وحدة متكاملة قلما تتواجد في الواقع. فالشخص نفسه قد يستخدم اسمه المدني في معاملة رسمية، وملفاً مهنياً على إحدى الشبكات، واسماً مستعاراً في مجتمع رقمي آخر؛ حيث يظهر كل سياق بعض السمات ويحجب أخرى.

إن استخدام الاسم المستعار لا يعني إخفاء الهوية؛ فالاسم المستعار يسمح بالحفاظ على هوية يسهل التعرف عليها داخل بيئة معينة دون الكشف بالضرورة عن الاسم المدني، غير أن الحساب يظل قابلاً للربط بسجلات تقنية أو بيانات يعرفها مزود الخدمة. وتشير إرشادات الهوية الرقمية الصادرة عن NIST تحديداً إلى أن الحساب يمكن أن يكون باسم مستعار ويعمل دون الكشف عن جميع سمات الشخص.

ولا تعني هذه التعددية أي تضليل أو خداع؛ فالفصل بين السياقات يمكن أن يحمي الخصوصية، أو ييسر التعبير، أو يمنع انتقال معلومات غير ذات صلة من مجال إلى آخر. وتكمن المسألة الجوهرية في مدى إدراك الشخص لأي جانب من جوانبه يقدمه، وأمام من، وما هي العواقب المتوقعة لذلك.

الهوية والبصمة والسمعة ليست مترادفات

ترتبط المفاهيم الثلاثة ببعضها، لكنها تؤدي وظائف مختلفة:

  • تتكون البصمة الرقمية من الآثار التي تخلفها الأنشطة عبر الإنترنت: من منشورات، واستفسارات، وسجلات، وبيانات وصفية.
  • أما الهوية الرقمية، فهي ذلك التمثيل الذي يتشكل من هذه الآثار، جنباً إلى جنب مع البيانات المصرح بها وما ينسبه الآخرون.
  • في حين تمثل السمعة الرقمية التقييم الذي يجريه أشخاص آخرون أو مؤسسات لذلك التمثيل.

فعلى سبيل المثال، يُعد المنشور جزءاً من البصمة الرقمية؛ وحين يرتبط بملف تعريفي معين، فإنه يسهم في تشكيل هويته؛ أما ردود الفعل الإيجابية أو السلبية من الآخرين، فتدخل في نطاق السمعة.

ويكتسب هذا التمييز أهميته لأن هامش التصرف يتغير في كل حالة؛ إذ يستطيع المرء تعديل نبذته التعريفية، لكنه لا يستطيع التحكم في جميع السجلات التقنية. كما يمكنه تقديم إيضاحات حول منشور ما، دون أن يملك تحديد كيفية الحكم عليه. وبإمكانه كذلك طلب تصحيح بيانات معينة متى سمحت القوانين المعمول بها بذلك، دون أن يضمن ذلك محو كل نسخة أو تغيير آراء الآخرين.

تمييز مفيد: إدارة الهوية الرقمية لا تعني التحكم في ذاكرة الإنترنت أو في تصورات الآخرين؛ بل تعني التصرف بروية وبصيرة ضمن حدود واقعية.

التعريف بالهوية لدى خدمة ما أمر مختلف

يُستخدم تعبير «الهوية الرقمية» أيضاً للإشارة إلى بيانات الاعتماد الرسمية، أو الشهادات، أو آليات الوصول. وهذا الاستخدام أكثر تحديداً من مفهوم الهوية الشخصية والاجتماعية الموصوف حتى الآن.

ووفقاً لتعريفات لائحة eIDAS الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، فإن التعريف الإلكتروني بالهوية يستخدم بيانات في صيغة إلكترونية لتمثيل شخص ما بصورة فريدة في إجراء معين. بينما تتيح المصادقة تأكيد هذا التعريف أو التحقق من مصدر بيانات محددة وسلامتها.

وبلغة مبسطة، يجيب التعريف بالهوية عن سؤال: «من الذي يحاول الوصول؟»؛ في حين تجيب المصادقة عن: «كيف يثبت أنه مخول بذلك؟». ويمكن لكلمة مرور، أو مفتاح أمان، أو شهادة رقمية أن تؤدي هذا الغرض في تلك العملية. غير أن بيانات الاعتماد لا تختزل أذواق صاحبها، ولا علاقاته، ولا آراءه، ولا مجمل جوانب شخصيته.

كما لا ينبغي الافتراض بأن اشتراط مزيد من التعريف بالهوية يؤدي دوماً إلى مزيد من الأمان. فمع أن التحقق من السمات قد يحد من بعض أشكال الاحتيال، فإن تجميع المعلومات الحساسة في مكان واحد قد يفاقم الضرر الناجم عن خلل. ويعتمد الحل على الغرض المنشود، ويجدر به ألا يطلب إلا ما هو ضروري لذلك السياق فحسب.

لماذا تؤثر على الاستقلالية الشخصية

تؤثر الهوية الرقمية في الكيفية التي يشارك بها الفرد، وفي بناء علاقاته، وفي الطريقة التي يُفهم بها. فمن شأن ملف تعريفي مرئي أن يفتح باباً للحوار؛ كما يمكن لتصنيف آلي أن يقرر نوع المعلومات التي تظهر له؛ وقد يضطره ربط خاطئ إلى توضيح أمر لم يقله قط.

ويجدر هنا التمييز بين الخصوصية والأمان. فالخصوصية تشير إلى من يمكنه الوصول إلى المعلومات ولأي غرض يستخدمها، بينما يسعى الأمان إلى حمايتها من الوصول غير المصرح به أو الفقدان أو التعديل غير المسموح به. فقد يكون النظام آمناً من الناحية التقنية، لكنه يجمع مع ذلك بيانات تفوق حاجته؛ كما يمكنه أن يعد بالخصوصية، لكنه يقصر في حماية المعلومات المخزنة لديه.

ومن منظور الحرية الفردية، تكمن القضية المركزية في الحفاظ على القدرة على اتخاذ القرار: أي التمكن من اختيار ما يُكشف عنه، والفصل بين السياقات، والاعتراض على ما يُنسب إلى الفرد من معلومات خاطئة. وتتزامن هذه الفاعلية مع المسؤوليات؛ فاستخدام اسم مستعار لا يعطي تفويضاً بإلحاق الضرر بالآخرين، وإدارة الحضور الشخصي لا تبرر التلاعب ببيانات الاعتماد أو تزويرها.

وللقواعد واللوائح أهميتها أيضاً؛ إذ تعترف بعض الأنظمة القانونية، مثل نظام الاتحاد الأوروبي، بحقوق الوصول، والتصحيح، والمحو، أو الاعتراض في ظل ظروف معينة. ويعتمد نطاق هذه الحقوق على الاختصاص القضائي وتخضع لاستثناءات، فهي لا تمثل سلطة مطلقة على كل معلومة أو استنتاج. وعلى نطاق أوسع، ينبغي للمؤسسات والشركات أن توضح بجلاء البيانات التي تجمعها، والغاية من جمعها، والمعايير التي تبني وفقها الملفات التعريفية.

مبدأ الاستقلالية: تجمع العلاقة الرقمية الرشيدة بين المسؤولية الفردية وقواعد يمكن التنبؤ بها، مع وضع حدود لجمع البيانات أو تصنيفها بشكل غامض وغير متناسب.

الإدارة دون التطلع إلى السيطرة المطلقة

إن فهم الهوية الرقمية يتيح اتخاذ قرارات أفضل دون تهويل. فقبل تقديم أي معلومة، يجدر التفكير فيما إذا كانت ضرورية وما هو الجمهور الذي سيطلع عليها. كما يحسن مراجعة المعلومات المصرح بها بصفة دورية، والفصل بين المجالات كلما كان ذلك منطقياً، والمطالبة بإجراء التصحيحات عبر القنوات المتاحة إذا ظهرت بيانات غير دقيقة.

غير أنه لا توجد إعدادات تمنح سيطرة تامة؛ فالآخرون قد يتحدثون، والخدمات تحتفظ بالسجلات، والأنظمة تولّد التفسيرات. ولهذا السبب، تبدأ الإدارة المسؤولة بتوقع أكثر تواضعاً وفائدة: إدراك أي جزء من التمثيل الرقمي يعتمد على المرء نفسه، ومعرفة ما يعتمد منه على أطراف خارجية، والمطالبة بإجراءات واضحة عندما يؤثر أي نسب لمعلومات في قدرة الشخص على التصرف أو التعبير.

إن الهوية الرقمية توسع نطاق حضورنا، لكنها لا تحل محل الإنسان. والتعامل معها بوصفها تمثيلاً سياقياً —وليس صورة نهائية— يساعد على صون المسؤولية وحرية التغيير في آن واحد.

عن الكاتب

دانيال ساردا متخصص في تحسين محركات البحث ومحرر Libertatis Venezuela. يكتب عن الليبرالية والاقتصاد السياسي والمؤسسات والدعاية والحرية الفردية من منظور مستقل وغير حزبي.

قراءة الملف الكامل