تَعِدُ حكومةٌ ما بأن تدبيراً جديداً سيحل مشكلة اجتماعية. ولا تتمثل ردة الفعل التشككية في المسارعة بالقول «هذا كذب»، بل في التساؤل: ما المشكلة التي يُحاول حلها؟ وما الدليل الذي يدعم المقترح؟ وما التكاليف التي قد تترتب عليه؟ وكيف سنعرف إن كان قد نجح؟ وما الذي سيحدث إذا فشل؟
يقدم أسلوب فحص المقولات هذا مدخلاً أولياً إلى الشك السياسي. ومع ذلك، يُستخدم هذا التعبير أيضاً لوصف انعدام الثقة تجاه سياسيين بعينهم، أو في سياق أكثر تحديداً، لوصف تصور محدود لما يمكن للحكومة تحقيقه. ومن ثم، يجدر التمييز بين هذه الاستخدامات قبل استخلاص النتائج.
شك يستقصي، لا رفض تلقائي
في معناه الفلسفي، يُعد الشك ممارسة للفحص والتمحيص؛ فهو يطالب بتقديم الأسباب، ويقارن بين درجات الدعم التي تحظى بها الدعاوى المختلفة، ويجيز تعليق الحُكم حين لا تتيح الأدلة المتوفرة استخلاص نتيجة حاسمة. وفي دراسته «Escepticismo y Política»، يشير John Christian Laursen إلى أن هذه الكلمة قد اكتسبت دلالات متنافرة في الخطاب السياسي، ويستعيد تقليداً يركز على البحث والتقصي وتعليق الحُكم.
ولا يلزم من هذا الاعتقادُ بأنه لا يمكن معرفة أي شيء؛ فبين قبول المقولة ونفيها توجد إمكانية أخرى: وهي الإقرار بأننا لا نملك بعدُ أسباباً كافية. وتتناول موسوعة ستانفورد للفلسفة تحديداً هذا التمايز بين الاعتقاد، والنفي، وتعليق الحُكم.
ويرتبط الشك بهذا المفهوم بـ مذهب القابلية للخطأ: فحتى الاعتقاد المعقول قد يتبيّن أنه خاطئ، ومن ثم يجب أن يظل قابلاً للمراجعة. وهما ليسا مفهومين متطابقين؛ إذ يؤكد الأول على فحص أسبابنا وأدلتنا، في حين يؤكد الثاني على إمكانية الوقوع في الخطأ حتى عندما تبدو تلك الأسباب وجيهة. ويطور مذهب القابلية للخطأ في السياسة هذا الموقف في مواجهة القرارات العامة.
فكرة أساسية: الشك المنهجي ليس رفضاً للمقولة؛ بل هو مواءمة درجة الثقة مع جودة الأسباب المتاحة.
ويجب أيضاً تمييز هذا التوجه عن الارتياب الظرفي؛ إذ يمكن للمرء أن يرتاب في حزب ما بسبب سلوكه السابق دون أن يتبنى منهجاً شكياً عاماً. كما يمكن لشخص ما أن يفحص مقترحاً فحصاً نقدياً، فيجد دليلاً كافياً ويقبله بصورة مؤقتة، حتى وإن لم يكن يثق كثيراً بمن يقدمه.
ما لا يعنيه الشك السياسي
تؤدي مواقف متعددة، تبدو متقاربة في الظاهر، إلى ممارسات متباينة للغاية:
- تفترض التهكمية أن الفاعلين في الشأن العام يتصرفون دائماً بسوء نية أو بدافع مصلحة خفية. أما الشك فيطالب بأدلة تثبت هذا الاتهام أيضاً.
- تنسحب اللامبالاة من النقاش أو المشاركة. في حين يمكن للشك، على العكس من ذلك، أن يحفز مشاركة أكثر حرصاً وتدقيقاً.
- تُقصي الإنكارية الأدلة المناوئة لحماية استنتاج مسبق. بينما يتطلب الفحص الشكي الاستعداد لتصحيح الموقف الشخصي.
- ترى النسبية، في إحدى صورها الشائعة، أنه لا يوجد معيار كافٍ لتفضيل مقولة على أخرى. أما الشك فلا يسوّي بين فرضية مدعومة جيداً بالأدلة ومجرد تخمين.
ولهذا السبب، فإن عبارة «كل السياسيين يكذبون» لا تعبر عن شك دقيق؛ بل هي تعميم منغلق أمام المراجعة تماماً كالعقيدة الجامدة التي يدعي محاربتها. يطبق الموقف الشكي المعيار ذاته على الوعد الرسمي، وعلى اتهامات المعارضة، وعلى حدوسنا المفضلة على حد سواء.
وقائع قابلة للتحقق وخلافات حول القيم
يتطلب تقييم أي سياسة إدراك أن الأسئلة المطروحة ليست كلها من النوع نفسه؛ فبعضها أسئلة تجريبية: كم سيكلف تدبيرٌ ما، ومن سيشمل، وما الآثار التي أحدثتها مبادرة مماثلة، أو هل روعي الموعد المحدد. وهذه الادعاءات يمكن مقارنتها بالبيانات والتحقق منها، وإن كانت لعمليات القياس حدودها.
وثمة أسئلة أخرى تتعلق بالقيم: ما المخاطر التي نحن على استعداد لقبولها، وكيف نوازن بين الحرية والأمن، وما توزيع التكاليف الذي نراه عادلاً؟ يمكن للأدلة أن توضح العواقب وتجلي البدائل، لكنها لا تحسم بمفردها الوزن الذي ينبغي أن يُمنح لكل غاية. وحتى الأشخاص الذين يتفقون على الوقائع قد يختلفون اختلافاً معقولاً حول الإجراء الأفضل؛ وتدرس نظرية المعرفة الأخلاقية تحديداً استمرار هذه الخلافات.
لنعد إلى الوعد الأولي. قد يكون من الممكن تقدير تكلفته وتحديد مؤشرات لقياس نتائجه؛ لكن البت فيما إذا كان هذا الإنفاق يستحق الأولوية مقارنة بهدف آخر ينطوي على تقييم عام. ويؤدي الخلط بين هذين المستويين إلى خطأين متعاكسين: تقديم تفضيل كأنه حقيقة مثبتة، أو التعامل مع معلومة غير مريحة كأنها مجرد رأي.
تمييز مفيد: تساعد الأدلة في تحديد ما يجري وما هي الآثار المحتملة؛ ويجب على الحكم السياسي أيضاً أن يبيّن الغايات التي يمنحها الأولوية ولماذا.
إن الإقرار بهذا التمايز لا يلغي النقاش العقلاني، بل يقتضي جعله أكثر وضوحاً: بالمطالبة بمصادر للمقولات القابلة للتحقق، وبتقديم الحجج للمفاضلة بين القيم والغايات المشروعة. وتتيح حرية الفكر والتعددية السياسية حدوث هذه المراجعة دون اشتراط التماثل أو التطابق.
اتخاذ القرار دون انتظار يقين مستحيل
نادراً ما يتيح العمل السياسي إيقاف الزمن إلى حين حسم كل شك؛ فالإحجام عن اتخاذ تدبير ما قد تنجم عنه عواقب أيضاً. وكما يذكرنا النقاش الفلسفي حول الخلاف، فإن عدم اليقين بشأن ما ينبغي اعتقاده لا يعفينا دائماً من ضرورة التصرف.
ويتمثل التحدي إذن في مواءمة القرار مع ما نعرفه. وقد تكون الاستجابة الحصيفة هي تجربة التدبير على نطاق محدود، وتحديد موعد للمراجعة، ومقارنة النتائج بالمعايير المعلنة، والاحتفاظ بإمكانية تصحيح البرنامج أو التخلي عنه. وكلما كان القرار أبعد عن إمكانية الرجوع فيه وكان الضرر المحتمل أكبر، كان الفحص المسبق أوجب وأشد صرامة.
ويختلف هذا الاستعداد عن الجمود؛ إذ إن اشتراط اليقين المطلق قبل التصرف من شأنه أن يشل أي قرار جماعي تقريباً. وفي المقابل، فإن التصرف وكأنه لا وجود لعدم اليقين يجعل السياسات هشة، ويسهل تمادي الخطأ واستمراره بسبب الكبرياء أو المصلحة أو غياب آليات التصحيح.
من القابلية للخطأ إلى الحصافة المؤسسية
إن الإقرار باحتمال خطأ الحكام والخبراء والمواطنين لا يثبت بذاته ما ينبغي أن يكون عليه حجم الحكومة، ولا يحدد السياسة الملموسة الصائبة. لكنه يقدم سبباً احترازياً يدعو إلى التوجس من الترتيبات التي تركز القرارات دون مراجعة، وإلى تقدير قيمة المؤسسات القادرة على كشف الأخطاء وتصحيحها.
وهنا يبرز دور الشفافية، والتقييم العام، وتقسيم الوظائف، والمساءلة؛ وكذلك القيود المفروضة على السلطة: ليس لأن كل سلطة هي بالضرورة تعسفية، بل لأنه لا يوجد شخص أو جماعة يمتلك معرفة كاملة أو يخلو من دوافعه ومصالحه الخاصة.
أعطى Michael Oakeshott لـ «سياسة الشك» معنى أكثر تحديداً؛ ففي سياق كتابه The Politics of Faith and the Politics of Scepticism، يصف أسلوباً يشكك في قدرة الحكومة على بلوغ الكمال بالمجتمع، ويبدي قلقاً حيال تركز السلطة. وهو إسهام واسع التأثير، لكن ينبغي عدم الخلط بينه وبين التعريف الشامل للشك الفلسفي. وكما ينبه Laursen، فهما استخدامان يرتبطان ارتباطاً جزئياً فحسب.
تحذير: لا يُستنتج من قابلية الإنسان للخطأ برنامجٌ سياسي كامل بصورة تلقائية؛ فالضوابط على السلطة هي استجابة احترازية تظل بحاجة إلى تسويغ وتصميم.
كما أن الثقة المؤسسية لا يلزم أن تكون مطلقة أو منعدمة؛ بل يمكن أن تكون مشروطة وقابلة للمراجعة: تُمنح لمهام محددة، وتستند إلى معلومات قابلة للتحقق، وتُسحب أو تُعدَّل عندما لا تفي النتائج والإجراءات بالمعايير المقررة.
أسئلة لفحص أي وعد عام
يغدو الشك السياسي أكثر فائدة عندما يتحول إلى ممارسات ملموسة. فعند مواجهة أي مقترح، يجدر التساؤل:
- ما الجزء الذي يمكن التحقق منه في المقولة، وما الجزء الذي يعبر عن تفضيل قيمي؟
- ما الدليل الذي يمكن أن يؤكد الاستنتاج أو يضعفه؟
- ما التكاليف والمخاطر والآثار المحتملة غير المتوقعة؟
- من الذي يقرر، ومن يراقب، ومن يتحمل المسؤولية إذا أخفق التدبير؟
- هل يمكن مراجعة القرار، أم إنه يخلق عواقب يصعب الرجوع عنها؟
لا تحل هذه الأسئلة محل التقدير والاجتهاد، ولا تضمن التوصل إلى اتفاق؛ لكنها تساعد في تحديد موضع الخلاف الحقيقي وما ينقص من معلومات. كما أنها تمنع استخدام الشك ذريعةً لطلب أدلة مستحيلة من الموقف المخالف دون غيره.
إن الشك السياسي الأكثر إثماراً لا ينتهي عند مجرد القول «أنا لا أصدق»؛ بل ينتهي باستنتاج متناسب مع الأدلة، وبقرار واعٍ بحدوده، وباستعداد حقيقي لتصحيحه. وبهذا، يكف الشك عن أن يكون انسحاباً من الشأن العام، ويتحول إلى شكل من أشكال المشاركة دون تسليم العقل والتقدير الذاتي ليقين الآخرين.
مشاركة