الجمعيات الطوعية: ما هي وكيف نميّزها

تجمع الجمعيات الطوعية أفراداً يقررون التعاون حول غايات مشتركة ووفق قواعد مقبولة، دون انتساب مفروض.

بقلم Daniel Sardá · تاريخ النشر:

مدة القراءة: 6 دقيقة1,136 كلمة

في هذه الصفحة · 10 أقسام

إن الجمعية الطوعية هي جماعة أو منظمة ينشئها الأفراد أو ينضمون إليها بملء إرادتهم للسعي وراء غايات مشتركة من خلال التعاون وقواعد مقبولة.

وتكتسب صفة الطوعية أهميتها لأنها تدل على أن الانتماء إلى الجماعة لا ينشأ عن انتساب مفروض. غير أن ذلك لا يعني خلوّ المنظمة من الالتزامات أو السلطات الداخلية أو المعايير المنظمة؛ فالمرء الذي ينضم بحرية إلى نادٍ ثقافي أو رابطة مهنية أو تعاونية قد يتحمل مسؤوليات محددة طوال فترة عضويته فيها.

ويصف هذا المصطلح، قبل كل شيء، نمطاً في التنظيم، ولا يحدد شكلاً قانونياً موحداً ينطبق على الكافة؛ إذ يمكن للجمعية الطوعية أن تكون مسجلة رسمياً أو أن تعمل كجماعة غير رسمية، وذلك وفقاً لغاياتها وللقوانين المعمول بها.

فكرة أساسية: تشير الطوعية إلى قرار إنشاء الجمعية أو الانضمام إليها، ولا تعني التصرف بلا قواعد أو تجاهل الالتزامات المقبولة.

ما الذي يميّز الجمعية الطوعية

لا توجد بنية واحدة متطابقة تسري على جميع الجمعيات الطوعية؛ فبعضها يضم عدداً محدوداً من الأشخاص، في حين يضع بعضها الآخر لوائح داخلية، وينتخب هيئات إدارية، ويوظف عاملين، أو يدير موارد معتبرة. ومع ذلك، فإنها تشترك في عدة سمات أساسية:

  • الانضمام الحر. يقرر الأفراد تأسيس الجماعة أو الالتحاق بها دون انتساب قسري.
  • الغاية المشتركة. توجد الجمعية لممارسة نشاط ما، أو الدفاع عن مصلحة، أو تحقيق هدف مشترك.
  • التعاون المنظم. ينسق أعضاؤها الأنشطة والأوقات والمعارف أو الموارد.
  • القواعد المقبولة. تضع الجماعة معايير للمشاركة واتخاذ القرارات والوفاء بالمسؤوليات.
  • الهوية المتمايزة. يمكن للجمعية أن تتصرف بصورة مميزة وواضحة أمام الأفراد والمؤسسات أو الجماعات الأخرى.

وتحتمل هذه السمات درجات وفروقاً دقيقة؛ إذ يمكن للحرية الفعلية لأي قرار أن تتقلص بفعل ضغوط اجتماعية أو اقتصادية أو مهنية. ولهذا السبب، يحسن التمييز بين النموذج المفاهيمي المجرد للانضمام الحر وبين الظروف الملموسة التي يقرر فيها الفرد تأسيس جمعية أو الانضمام إليها.

ومن المهم أيضاً عدم إقحام خصائص لا يقتضيها المفهوم؛ فالجمعية الطوعية ليست بالضرورة جمعية خيرية أو غير رسمية أو ديمقراطية أو غير هادفة للربح. وقد توجد أي من هذه الصفات، لكنها لا تنبع تلقائياً من مجرد كونها طوعية.

الطوعية لا تعني الارتجال

ثمة لبس شائع يتمثل في الظن بأن المنظمة تكفّ عن كونها طوعية متى فرضت اشتراكات، أو حددت مواعيد، أو طبقت معايير داخلية. والواقع أن التعاون المستدام غالباً ما يتطلب التزامات يمكن توقعها.

فقد تطلب جمعية رياضية من أعضائها احترام لائحة معينة، وقد تفرض رابطة مهنية معايير للقبول، وقد تحدد جمعية تعاونية مسؤوليات اقتصادية وإجراءات لاتخاذ القرار. وفي هذه الحالات، لا يتمثل السؤال الجوهري في وجود القواعد من عدمه، بل فيما إذا كان الانتماء والالتزامات نابعين من اتفاق حر، وما إذا كان الأفراد يحتفظون بالحقوق التي يكفلها لهم الإطار القانوني المعمول به.

فكرة أساسية: تستبدل الجمعية الطوعية بالانتساب المفروض التزاماتٍ مقبولة؛ ولا تستبدل بالتنظيم غياباً للواجبات.

الفروق بينها وبين الأشكال المشابهة

يُعد مصطلح "الجمعية الطوعية" فئة وصفية واسعة، بينما تشير مصطلحات أخرى إلى شكل قانوني أو غاية أو نشاط أكثر تحديداً. والتفريق بينها يجنبنا الخلط واللبس.

الجمعية الطوعية والجمعية المدنية

غالباً ما تكون الجمعية المدنية شكلاً معترفاً به ومنظماً بموجب تشريعات كل بلد، وقد يتطلب لوائح تأسيسية، وتسجيلاً رسمياً، وهيئات إدارة، أو غير ذلك من الإجراءات الشكلية.

في المقابل، فإن وصف الجمعية بأنها طوعية يبرز كيفية تأسيسها أو كيفية انضمام أعضائها إليها. فحلقة قراءة صغيرة قد تكون جمعية طوعية دون أن تتمتع بشخصية اعتبارية. والجمعية المدنية المسجلة قد تكون طوعية أيضاً، إلا أن وضعها القانوني يفرض متطلبات تختلف باختلاف الأنظمة القانونية.

وباختصار: تصف صفة الطوعية مبدأ الانضمام، في حين قد تدل صفة المدنية على وضع قانوني محدد.

الجمعية الطوعية والتعاونية

إن التعاونية منظمة أكثر تخصصاً؛ إذ يُعرّفها الحلف التعاوني الدولي بأنها اتحاد طوعي بين أفراد يسعون لتلبية حاجات مشتركة من خلال مؤسسة مشتركة يُشرف عليها ديمقراطياً.

وعلى هذا النحو، يمكن فهم التعاونية بوصفها جزءاً من النطاق الأوسع للجمعيات الطوعية، لكن ليست كل جمعية طوعية تعاونيةً. فالنادي الثقافي يشاركها مبدأ الانضمام والأهداف المشتركة، حتى وإن لم يدر مشروعاً مشتركاً أو يتبع المبادئ التعاونية.

الجمعية الطوعية والمنظمة غير الحكومية

يُستخدم مصطلح المنظمة غير الحكومية عادةً للإشارة إلى المنظمات المستقلة عن الحكومة والموجهة نحو غايات اجتماعية، أو إنسانية، أو بيئية، أو غيرها من الأهداف غير الربحية. ويركز هذا التعبير على علاقة المنظمة بالدولة وعلى غايتها.

أما مصطلح "الجمعية الطوعية"، فيركز في المقابل على التأسيس والانضمام غير المفروضين. وقد تجمع منظمات غير حكومية كثيرة بين هذه السمات، إلا أن المفهومين ليسا مترادفين.

الجمعية الطوعية والعمل التطوعي

إن العمل التطوعي هو نشاط يُمارس بحرية للإسهام في قضية معينة أو لمساعدة الآخرين، وهو ليس بحد ذاته منظمة.

فبوسع المرء أن يتعاون كمتطوع في مؤسسة ما دون أن يكون عضواً فيها. وبالمثل، يمكن لشخص ما أن ينتمي إلى جمعية طوعية ويؤدي مهام مدفوعة الأجر، أو يكتفي بالمساهمة من خلال اشتراك مالي فقط.

أمثلة من الحياة اليومية

تتضح الأمثلة الأكثر جلاءً عندما يقرر عدة أشخاص التنسيق فيما بينهم بصورة مستقرة:

  • جيران ينشئون رابطة للعناية بمساحة مشتركة؛
  • مهنيون يؤسسون منظمة لتبادل المعارف وتمثيل المصالح؛
  • أفراد يدعمون نادياً رياضياً أو ثقافياً؛
  • منتجون أو مستهلكون يؤسسون جمعية تعاونية؛
  • مواطنون ينظمون حملة حول قضية معينة.

ولا تحدد هذه القائمة المفهوم بمفردها؛ ففي كل حالة يتعين التثبت مما إذا كان الانضمام حراً، وما إذا كان هناك هدف مشترك، وما إذا كان التعاون ينتظم من خلال قواعد مقبولة. فالجمهور المحتشد بمحض الصدفة لا يشكل جمعية، كما لا تشكلها فئة إدارية يُدرج فيها المرء دون اختيار منه.

أهميتها للمجتمع المدني

تتيح الجمعيات الطوعية للأفراد حل المشكلات، وتنمية الاهتمامات، والدفاع عن القضايا دون انتظار صدور كل مبادرة عن الدولة. وهي تشكل جزءاً من المجتمع المدني، وهو فضاء تعددي يضم أيضاً منظمات مجتمعية، ونقابات عمالية، ومؤسسات، ومجموعات مهنية، وغيرها من المؤسسات الجماعية.

وتجسد هذه القدرة على التنظيم حرية تكوين الجمعيات. إذ تعترف المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحق كل فرد في تكوين الجمعيات بحرية مع آخرين، مع إجازتها فرض قيود قانونية محدودة وفق شروط محددة. ومن ثم، فهو ليس حقاً مطلقاً، غير أنه ليس أيضاً منحة تقديرية من السلطة.

ومن منظور الليبرالية الكلاسيكية، تُظهر هذه المنظمات أن الحياة الجماعية لا تنحصر في الاختيار بين أفراد معزولين وسلطة الدولة؛ إذ يمكن للأفراد إنشاء مؤسسات وسيطة، وتنسيق الموارد، وتحمل مسؤوليات مشتركة عبر الاتفاقات. ويؤدي هذا التعاون اللامركزي إلى توسيع التعددية وتوزيع المبادرة الاجتماعية.

كما قد تولّد هذه الجمعيات نزاعات، أو تمارس إقصاءً جائراً، أو تفرض ضغوطاً على أعضائها؛ فالاعتراف بقيمتها لا يستلزم إضفاء طابع مثالي عليها. وتعمل الجمعيات ضمن إطار من الحقوق والقوانين العامة والمسؤوليات إزاء الأطراف الثالثة.

فكرة أساسية: يحتاج المجتمع الحر إلى مساحة تتيح للأفراد تشكيل منظماتهم الخاصة، إلا أن الاستقلالية التشاركية لا تلغي حقوق أعضائها ولا حقوق أولئك الذين يقفون خارجها.

كيف نميّز الجمعية الطوعية

للتعرف على هذا المفهوم في سياقات متباينة، يحسن طرح أربعة أسئلة:

  1. هل يقرر الأفراد بحرية إنشاء الجماعة أو الانضمام إليها؟
  2. هل يتشاركون هدفاً يمكن تبينه بوضوح؟
  3. هل يتعاونون بطريقة منظمة ومستقرة نسبياً؟
  4. هل يقبلون قواعد ومسؤوليات ترتبط بهذا التعاون؟

فإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فنحن على الأرجح أمام جمعية طوعية، سواء أكانت غير رسمية أم مسجلة، صغيرة أم معقدة، ربحية أم غير ربحية. وقد تتغير التسمية القانونية بين بلد وآخر، بيد أن النمط الجوهري يظل ثابتاً: أفراد يختارون العمل معاً لتحقيق غايات لا يتأتى لهم بلوغها بالصورة ذاتها فرادى.

عن الكاتب

دانيال ساردا متخصص في تحسين محركات البحث ومحرر Libertatis Venezuela. يكتب عن الليبرالية والاقتصاد السياسي والمؤسسات والدعاية والحرية الفردية من منظور مستقل وغير حزبي.

قراءة الملف الكامل