تطلب أسرة تمويلًا لشراء مسكن. وتريد شركة رابحة تجديد آلاتها. قد يكون كلاهما قادرًا على سداد القرض، غير أن البنك يخفض المبلغ، أو يطلب ضمانات إضافية، أو يرفض معاملات كان ليوافق عليها قبل بضعة أشهر. ويتيح هذا التشديد فهم الانكماش الائتماني بصورة أفضل من الصورة التبسيطية القائلة بأنه «لم يعد هناك ائتمان».
يصف هذا المصطلح انخفاضًا ملحوظًا في توافر التمويل أو تشديدًا في معايير منحه. وفي معناه التحليلي الأكثر دقة —المستعار من المصطلح الإنجليزي credit crunch—، ينبع هذا الانكماش أساسًا من عرض الائتمان. فلا يكفي ملاحظة انخفاض حجم الإقراض؛ إذ قد يعود ذلك أيضًا إلى تراجع عدد الأفراد أو الشركات الراغبة في الاستدانة.
فكرة أساسية: لا يثبت هبوط الائتمان الممنوح في حد ذاته وجود انكماش ائتماني؛ إذ ينبغي التحقق مما إذا كان التغير قد طرأ على العرض، أم على الطلب، أم على جودة طلبات الاقتراض.
تراجع الائتمان الملحوظ لا يعني دائمًا انخفاض العرض
ينتج حجم القروض الجديدة عن التفاعل بين العرض والطلب. ويمكن أن يتراجع لأن البنوك تقرض أقل، أو لأن الأسر والشركات تطلب تمويلًا أقل، أو لأن المتقدمين بطلبات التمويل يمثلون مخاطر أعلى.
ولهذا الفارق أهمية؛ فإذا أرجأت شركةٌ استثمارًا ما ولم تطلب القرض، انخفض الطلب. أما إذا أبقت على المشروع ووجدت، في ظل وضع مالي مماثل، عددًا أقل من الجهات المستعدة لتمويلها، فهناك مؤشرات على وجود تقييد في العرض.
وقد أشار مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى صعوبة هذا التحديد: فتفسير مسار الائتمان يتطلب الفصل بين جانب الطلب، والملاءة المالية للمقترضين، والقيود الخاصة بالمقرضين أنفسهم. ولهذا السبب، لا تكفي إحصائية إجمالية ولا حالة فردية لصياغة تشخيص متماسك.
السعر والتوافر والشروط ليست شيئًا واحدًا
يمكن أن يتشدد الائتمان بعدة طرق؛ فقد يرتفع سعره أحيانًا، وذلك بزيادة سعر الفائدة أو الهامش الذي يتقاضاه البنك. وفي أحيان أخرى يتغير توافره، فيُرفض عدد أكبر من الطلبات أو يُوافق على مبالغ أصغر. كما قد تتغير شروط أخرى، مثل أجل الاستحقاق، أو الرسوم والعمولات، أو الضمانات المطلوبة، أو بنود العقد.
ويميز مسرد مسح الإقراض المصرفي للبنك المركزي الأوروبي بين معايير الائتمان وشروط القرض. فالمعايير هي الضوابط الداخلية التي توجه قرارات الموافقة قبل التفاوض، بينما الشروط هي البنود المحددة المقدمة في المعاملة الموافق عليها. ويمكن للبنك تشديد المعايير، أو الشروط، أو كليهما معًا.
ومن ثم، لا يُعد الارتفاع العام في أسعار الفائدة مرادفًا تلقائيًا للانكماش الائتماني؛ إذ قد تزداد كلفة القرض مع بقائه متاحًا. وعلى العكس من ذلك، قد لا يتغير السعر المعلن إلا قليلًا بينما ترتفع متطلبات الضمانات أو يُقلص الحد الأقصى للمبلغ الممنوح.
تمييز مفيد: يوضح السعر كلفة الحصول على التمويل؛ ويوضح التوافر ما إذا كان ذلك ممكنًا؛ بينما تحدد الشروط الالتزامات التي يُمنح القرض بموجبها.
كيف يحدث الانكماش الائتماني
لا يوجد سبب واحد للانكماش؛ فقد يبدأ التشديد عندما يرى الوسطاء الماليون مخاطر أكبر، أو يصبحون أقل استعدادًا لتحمل التعرض للمخاطر، أو يواجهون تكاليف تمويل أعلى. كما يمكن أن يظهر إذا تدهورت ميزانياتهم العمومية أو ندرت رؤوس أموالهم.
ويؤدي جانب المقترض دورًا أيضًا؛ فتراجع الدخل المتوقع، أو انخفاض قيمة الأصول، أو عدم كفاية الضمانات، كلها عوامل يمكن أن ترفع من تقدير المخاطر. وفي هذا السياق، يعجز بعض المتقدمين عن استيفاء المعايير المعتادة. ولا ينبغي الخلط بين ذلك وبين انسحاب عشوائي من جانب البنوك دون مزيد من التدقيق؛ إذ قد يُعاد توجيه الائتمان نحو عمليات تُعد أكثر أمانًا.
وتوضح الدراسات التي لخصها بنك التسويات الدولية كيف تربط الميزانيات العمومية للمقترضين والوسطاء بين القطاع المالي والاقتصاد الحقيقي. ويمكن لتدهور هذه الميزانيات أن يقيد الائتمان ويضخم الصدمات، وفقًا للسياق وبدائل التمويل المتاحة.
ولا ينبغي كذلك الخلط بين الائتمان والسيولة؛ فالسيولة هي القدرة على سداد المدفوعات أو تمويل المراكز المالية دون تكبد خسائر غير متناسبة، ويمكن أن تؤثر في قدرة البنك على الإقراض، لكنها ليست القرض ذاته. وبالمثل، تؤثر الكتلة النقدية والسياسة النقدية في البيئة المالية، غير أن الانكماش النقدي، والانكماش الائتماني، وانكماش النشاط الاقتصادي تصف ظواهر متباينة.
كيف نميزه عمليًا
لا يقدم أي مؤشر منفرد دليلًا قاطعًا، بل يكتسب التشخيص قوته عندما تتزامن عدة مؤشرات من جانب العرض:
- معايير موافقة أكثر صرامة؛
- ارتفاع حالات الرفض بين المتقدمين ذوي المخاطر المماثلة؛
- تقليص المبالغ أو خطوط الائتمان؛
- اشتراط ضمانات إضافية أو فترات سداد أقصر؛
- هوامش أو عمولات أو بنود تعاقدية أكثر تشددًا؛
- قيود على الميزانيات العمومية أو التمويل لدى المقرضين.
ونادرًا ما يكون التشديد منتظمًا؛ إذ قد يتركز في الشركات الصغيرة، أو الأسر ذات الدخل غير المستقر، أو المشاريع ذات الضمانات المحدودة. وقد تلجأ الشركات الكبرى إلى السندات أو مستثمرين آخرين، في حين تملك المشاريع الصغيرة المعتمدة على البنوك بدائل أقل عادةً.
مثال توضيحي: شركتان ومشروع واحد
لنتخيل شركتين متماثلتين تخططان لشراء معدات لزيادة إنتاجهما. تلغي الأولى المشروع بسبب تراجع مبيعاتها المتوقعة وتقرر عدم طلب التمويل. أما الثانية، فتحافظ على المشروع وتقدم بيانات مالية مماثلة لتلك التي كانت تؤهلها سابقًا للحصول على قرض، لكن البنك يطالب الآن بضمانة أكبر بكثير ولا يعرض سوى نصف المبلغ المطلوب.
في الحالة الأولى، انخفض الطلب على الائتمان. أما الحالة الثانية، فتقدم دليلًا على تشدد في جانب العرض. وإذا تكرر هذا النمط عبر العديد من المؤسسات والمقترضين ذوي الأوضاع المماثلة، يصبح الحديث عن انكماش ائتماني أكثر وجاهة.
قد يكون طلب الضمانات استجابة احترازية لمخاطر حقيقية؛ غير أن التشديد واسع النطاق قد يمنع مشاريع قابلة للحياة ومجدية من الحصول على التمويل. وتساعد المؤسسات التي يمكن توقع تصرفاتها، والعقود واجبة النفاذ، والمعلومات الموثوقة على تمييز المخاطر، وإن كانت لا تضمن توفير الائتمان لكل طلب.
من صعوبة الاقتراض إلى النشاط الاقتصادي
عندما تعجز الأسر والشركات عن إيجاد بديل للتمويل المفقود، فإنها تعدل خططها؛ فقد ترجئ الأسرة شراء سلع معمرة، وقد تقلص الشركة مخزونها، أو تلغي شراء آلات، أو تؤجل التوسع. وهكذا، يمكن لمشكلة الحصول على الائتمان أن تترجم إلى تراجع في الاستهلاك والاستثمار.
وتخلص أبحاث صادرة عن البنك المركزي الأوروبي حول شركات منطقة اليورو إلى وجود علاقة بين الشروط المصرفية الأكثر صرامة، وانخفاض توافر الائتمان، ومستوى الاستثمار بين الشركات التي تحتاج إلى التمويل. ويدعم هذا وجود هذه الآلية، لكنه لا يجيز تعميمها كقاعدة مطلقة؛ فالأثر يعتمد على الطلب، والملاءة المالية، والمدخرات المتاحة، وإمكانية الوصول إلى مصادر تمويل بديلة.
احتراز سببي: يمكن للانكماش الائتماني أن يضعف النشاط الاقتصادي، ولكن الاقتصاد الأضعف يقلل بدوره من الطلب على القروض ويزيد من حدة المخاطر المتوقعة؛ ويمكن للاتجاهين أن يتعايشا معًا.
وخلاصة القول إن الانكماش الائتماني لا يعني تلاشي القروض بأسرها، ولا يعني أن كل حذر مصرفي يمثل أزمة؛ بل هو تشديد ملحوظ في إمكانية الحصول على التمويل أو في شروطه، ولا سيما عندما ينشأ عن قيود في جانب العرض. ويتطلب تمييزه النظر إلى ما وراء الحجم الكلي الإجمالي: من يريد الاقتراض، ومن يستطيع ذلك، وما الذي تغير في المعايير، وما هي البدائل الحقيقية المتبقية.
مشاركة