حرية التعاقد: ما معناها وما هي حدودها

تتيح حرية التعاقد تقرير ما إذا كان سيُبرم العقد، ومع من، وما هي الشروط التي سيُتفق عليها. وهي لا تعني حرية بلا قواعد: إذ تفترض وجود تراضٍ صحيح والتزامات واجبة النفاذ وحدود تختلف باختلاف كل نظام قانوني.

بقلم Daniel Sardá · تاريخ النشر:

مدة القراءة: 5 دقيقة1,045 كلمة

في هذه الصفحة · 6 أقسام

تُعد حرية التعاقد قدرة الأفراد على تنظيم علاقاتهم ومبادلاتهم من خلال الاتفاقات. وتتيح لهم اتخاذ القرار بشأن إبرام العقد من عدمه، واختيار الطرف المقابل، وتحديد شروط مثل السعر أو الأجل أو الالتزامات المتبادلة أو توزيع مخاطر معينة.

ولا تعني هذه الحرية أن أي شرط يُعد صحيحاً لمجرد قبوله. فهي تعمل ضمن إطار قانوني يحمي التراضي، ويعترف بالقوة الملزمة للالتزامات، ويضع حدوداً في مواجهة الاحتيال والإكراه والإضرار بالغير وغيرها من الحالات التي يحددها كل نظام قانوني.

فكرة أساسية: حرية التعاقد ليست حرية في التحلل من كل قاعدة، بل هي حرية الاتفاق ضمن قواعد تجعل الاتفاق ممكناً وجديراً بالثقة.

مفهوم ذو أكثر من استخدام

المصطلحات القانونية ليست موحدة. فبالمعنى الواسع، تشمل حرية التعاقد كلاً من قرار التعاقد وإمكانية تحديد محتوى العقد. وعلى هذا النحو تعرضها، على سبيل المثال، مبادئ UNIDROIT بشأن العقود التجارية الدولية، التي تجمع مادتها 1.1 بين الصلاحيتين.

أما في الاستخدام الأكثر تدقيقاً، فمن المفيد التمييز بين مسألتين:

  • حرية إبرام العقود: هل أرغب في إبرام العقد، ومع من؟
  • حرية التعاقد: ما هي الشروط التي نحن مستعدون للاتفاق عليها؟

يستخدم بعض المؤلفين عبارة «حرية التعاقد» لتشمل البُعدين معاً؛ بينما يقصر آخرون هذا التعبير على البُعد الثاني. والأهم من فرض تصنيف واحد هو إدراك القرارات المختلفة المتداخلة في هذا الشأن.

الأوجه الثلاثة لحرية التعاقد

يتمثل الوجه الأول في قرار التعاقد من عدمه. من حيث المبدأ، يستطيع الشخص قبول مبادلة ما أو رفضها وفقاً لأهدافه الخاصة. ويجسد هذا الحيز من اتخاذ القرار الاستقلالية الفردية: فلا ينبغي إلزام أحد بمجرد أن شخصاً آخر يرى الاتفاق ملائماً.

والوجه الثاني هو اختيار الطرف المقابل. فمن يبحث عن مورد أو عميل أو شريك يستطيع المقارنة بين البدائل وتقرير الجهة التي ينسق معها، رهناً بالقواعد المعمول بها. وهذا الاختيار جزء من حرية التبادل، وإن كان نطاقه قد يتفاوت في الأسواق والعلاقات الخاضعة للتنظيم.

والوجه الثالث هو صياغة المحتوى وتحديده: أي تحديد ما سيقدمه أو يفعله كل طرف، ومتى، وبأي سعر، وتحت أي شروط. وهنا يخدم العقد في تكييف العلاقة وفقاً لخطط ملموسة، بدلاً من الاعتماد على ترتيب متطابق للجميع.

وقد تبرز هذه الأوجه بدرجات متفاوتة من الشدة؛ فقد يكون الشخص حراً في الاختيار بين عدة موردين، ومع ذلك لا يفاوض بصورة فردية على شروط عقد نموذجي. إن وجود خيار لا يثبت بمفرده أن جميع البنود قد جرت مناقشتها.

لماذا يُلزم العقد أطرافه؟

ستفقد حرية الاتفاق جزءاً كبيراً من فائدتها إذا كان بإمكان أي شخص تجاهل ما تعهد به لاحقاً. فالـقوة الملزمة تتيح للأطراف التخطيط: إذ يكتسب تسليمٌ مستقبلي أو خدمةٌ أو دفعةٌ مالية قيمةً عملية نظراً لوجود توقع بالوفاء.

تعبّر المادة 1.3 من مبادئ UNIDROIT عن هذه الفكرة بالإشارة إلى أن العقد المُبرم على نحو صحيح ملزمٌ لأطرافه. والنقطة الحاسمة هنا هي عبارة «على نحو صحيح»: فالقوة الملزمة لا تجعل العقد غير قابل للنقض تحت أي ظرف، ولا تضفي المشروعية على أي شرط مكتوب.

وهكذا تظهر الحرية والمسؤولية مترابطتين؛ فكل طرف يتمتع بحيز لاتخاذ القرار، ولكنه يتحمل أيضاً عواقب الالتزامات المقبولة. وتعتمد سبل المطالبة بالتنفيذ، أو تفسير الاتفاق، أو التعامل مع الإخلال به، على التشريعات المعمول بها.

فكرة أساسية: القوة الملزمة تحمي إمكانية وضع الخطط؛ وهي لا تلغي القواعد المتعلقة بالصحة أو التفسير أو سبل الانتصاف.

الحدود ليست متماثلة في كل مكان

لا توجد قائمة عالمية موحدة للحدود؛ فالبلدان والأنظمة القطاعية تختلف فيما بينها، لكن عدة مجموعات من القواعد تساعد على فهم الإطار العام:

  • القواعد الآمرة والنظام العام. هناك قواعد لا يمكن للأطراف تنحيتها جانباً باتفاق خاص، ويتغير مضمونها بحسب النظام القانوني والموضوع.
  • التراضي الصحيح. قد لا يكون المظهر الخارجي للقبول كافياً إذا وُجد احتيال أو إكراه أو عيوب أخرى يقرها القانون المعمول به.
  • حسن النية. تتطلب العديد من الأنظمة القانونية سلوكيات متوافقة مع الثقة المتولدة بين الأطراف، ولا يتطابق نطاقها القانوني الدقيق في جميع الأنظمة.
  • حقوق الغير. لا يكتسب شخصان، بمجرد التعاقد فيما بينهما، إذناً بالإضرار بحقوق الآخرين.
  • الحماية في العلاقات غير المتكافئة. يمكن لقانون حماية المستهلك ومجالات أخرى مراقبة الشروط المُعدة مسبقاً أو التعسفية، لا سيما عندما لا تكون هناك مفاوضات فردية.

وكمثال وطني، تجمع المواد 1255 و1258 و1265 من القانون المدني الإسباني بين الإرادة الذاتية وحسن النية وقواعد عيوب الرضا. ولا ينبغي قراءتها كمعيار عالمي، بل كنموذج يوضح كيفية صياغة نظام قانوني للعلاقة بين الحرية والحدود.

وفي مجال حماية المستهلك في الاتحاد الأوروبي، يولي التوجيه 93/13/الجماعة الاقتصادية الأوروبية اهتماماً خاصاً بالبنود التي لم يتم التفاوض عليها فردياً، وبحسن النية، والاختلالات الكبيرة في التوازن. ولا يعني هذا أيضاً أن كل عقد إذعان يُعد تعسفياً؛ ولكنه يوضح لماذا يُعد الضغط على «أوافق» والتفاوض الفعلي على كل شرط أمرين مختلفين.

تنبيه مفيد: يستحق التفاوت في القوة التفاوضية الاهتمام، لكنه لا يؤدي بمفرده إلى نتيجة قانونية عامة وشاملة. فالمهم هو السلوك والسياق والبند والقانون المعمول به.

مثال بسيط: التعاقد على تقديم خدمة

لنتخيل أن مصممة وشركة صغيرة اتفقتا على إنشاء هوية بصرية. يمكن للطرفين تحديد ما إذا كانا سيعملان معاً، وتحديد نطاق العمل والسعر والجدول الزمني للتسليم وعدد المراجعات. كما يمكنهما التفاوض على تعديل عندما يتبين أن المشروع يتطلب تصميماً إضافياً.

ويوضح هذا الاتفاق الوظيفة التنسيقية للعقد: فهو يحول التوقعات المشتتة إلى التزامات تتيح تنظيم الوقت والموارد والمخاطر.

والآن لنفترض أن شرطاً مطولاً، مُعداً مسبقاً، يمنح أحد الطرفين صلاحية غير متوقعة لتعديل الخدمة من جانب واحد. إن مجرد قبول الوثيقة لا يكفي هنا للحكم بما إذا كان البند صحيحاً أم تعسفياً؛ إذ يلزم معرفة النظام القانوني، ونوع العلاقة، ومدى وضوح الشرط، وظروف التراضي.

يكشف هذا المثال عن خطأين متناقضين: الأول هو افتراض أن كل شرط جرى قبوله يجب الوفاء به حرفياً. والثاني هو استنتاج أن أي تفاوت في القدرة التفاوضية يبطل العقد. فالتقييم القانوني يتطلب معلومات أكثر من أي من هاتين الصيغتين.

الحرية داخل مؤسسة موثوقة

تتيح حرية التعاقد تحويل القرارات الفردية إلى تعاون: فالأفراد يدمجون الموارد، ويتبادلون السلع والخدمات، ويوزعون المسؤوليات وفقاً لمشاريعهم الخاصة. وتحتاج هذه القدرة إلى حيز في مواجهة الفرض الخارجي، ولكنها تحتاج أيضاً إلى قواعد عامة ومتوقعة تحمي التراضي وتجعل الالتزامات الصحيحة واجبة النفاذ.

لهذا السبب، فإن الحرية والحدود ليسا بالضرورة نقيضين متعاديين؛ فالقواعد المناهضة للاحتيال أو الإكراه أو الإضرار بالغير تحافظ على الشروط التي تضفي على الاتفاق معناه. ويبدأ النقاش العقلاني عند التساؤل عما إذا كان كل تدخل يحمي تلك الشروط أم أنه يستبدل قرار الأطراف دون داعٍ.

خلاصة القول، لا تعِد حرية التعاقد بأن يفاوض كل شخص من الموقع ذاته، ولا بأن يصمد كل بند أمام الفحص القانوني. بل تقدم أمراً أكثر دقة: حيزاً لاتخاذ القرار بشأن الجهة التي يمكن التعاون معها وبأي شروط، مصحوباً بالمسؤولية عن الوفاء بما تم الاتفاق عليه على نحو صحيح.

عن الكاتب

دانيال ساردا متخصص في تحسين محركات البحث ومحرر Libertatis Venezuela. يكتب عن الليبرالية والاقتصاد السياسي والمؤسسات والدعاية والحرية الفردية من منظور مستقل وغير حزبي.

قراءة الملف الكامل