تنطوي الحياة الاقتصادية الحديثة على مفارقة؛ إذ يتعاون ملايين الأشخاص دون أن يعرف بعضهم بعضاً ودون الخضوع لخطة مشتركة، غير أن جزءاً من هذا التنسيق اللامركزي يستند اليوم إلى مؤسسة مركزية: البنك المركزي. قد تبدو الحوالة المالية، أو جدول الرواتب، أو سداد مستحقات أحد الموردين مجرد اتفاقات بين أطراف خاصة، لكن عندما تنتقل الأموال بين بنوك مختلفة، تعمل في الكواليس أنظمة المقاصة والتسوية والاحتياطيات.
غالباً ما تؤدي هذه العلاقة إلى خطأين متقابلين؛ يتمثل أحدهما في أن يُعزى إلى البنك المركزي خلق التعاون الاجتماعي، ويتمثل الآخر في افتراض أن هذا التعاون لا يحتاج إلى أي بنية تحتية نقدية مشتركة. أما التفسير الأكثر دقة فيقع بين هذين النقيضين: يمكن للبنك المركزي تيسير تبادلات معينة من خلال دعم جزء من الإطار النقدي وإطار المدفوعات، لكنه لا يقرر الغايات ولا يقدم المعرفة التي يمتلكها المشاركون.
أولاً: عن أي تعاون نتحدث؟
بالمعنى الواسع، يمثل التعاون الاجتماعي التنسيق بين أفراد يجمعون بين الجهود والمعارف والتبادلات لتحقيق غايات خاصة بهم. ويظهر هذا التعاون في الشركات، وفي سلاسل الإمداد، وفي عقود الإيجار، أو في عمليات الشراء اليومية. ولا يتطلب ذلك أن يسعى الجميع إلى الهدف نفسه؛ فالتاجر يهمه البيع والزبون يهمه الشراء، غير أن كلاهما قادر على الاستفادة من الاتفاق.
يولي التقليد الليبرالي اهتماماً خاصاً بالتعاون الطوعي من خلال الملكية والأسعار والعقود وتقسيم العمل. وضمن المدرسة النمساوية، ربط Ludwig von Mises صراحة بين التعاون البشري وتقسيم العمل. وهذه أطروحة مذهبية مؤثرة، وليست تعريفاً شاملاً لكل تعاون ممكن.
يجدر أيضاً إزالة التباسين؛ فـ الصيرفة المركزية لا تعني الصيرفة التعاونية، إذ إن الأخيرة شكل من أشكال الملكية والتنظيم للمؤسسات المالية التي تقدم خدماتها للأعضاء أو العملاء. كما ينبغي عدم الخلط بين التعاون الاجتماعي والتعاون بين البنوك المركزية، وهو مدلول مؤسسي سنتناوله في الختام.
فكرة أساسية: إن توفير مؤسسة ما لقواعد التبادل أو بنيته التحتية لا يعني أنها تُنتج الاتفاقات التي تسري من خلالها.
من النقود إلى التبادل: السلسلة التي تجعل العلاقة واضحة
تيسر النقود التعاون لأنها تؤدي وظائف تقلل من الاحتكاكات. فبصفتها وحدة حساب، تتيح التعبير عن الأسعار والديون والأجور بمقياس مشترك. وبصفتها وسيلة دفع، تتيح الوفاء بالالتزامات دون اللجوء إلى المقايضة. كما أن تحديد قيمة العقود المستقبلية بهذه الوحدة المشتركة يساعد في المقارنة بين البدائل، وإن كان لا يزيل حالة عدم اليقين أبداً.
لنتأمل حالة شخص يشتري سلعة من متجر يختلف بنكه عن بنك المشتري. بالنسبة لكليهما، تنتهي المعاملة بمجرد تأكيد الدفع. أما بالنسبة للنظام المالي، فيظل من الضروري تحديد ما يدين به أحد البنكين للآخر وتسوية هذا الالتزام. وتبعاً لهيكل كل نظام قانوني، تؤدي الاحتياطيات المودعة لدى البنك المركزي دوراً محورياً في تلك التسوية. ولهذا السبب، فإن القاعدة النقدية —التي تشمل النقد المتداول والاحتياطيات المصرفية— ليست هي نفسها رصيد أي حساب تجاري، رغم ارتباطهما معاً.
إن موثوقية هذه العمليات مهمة؛ فنظام المدفوعات القادر على تنفيذ التحويلات وإتمامها حتى في أوقات الضغط يقلل من مخاطر اعتماد كل تبادل على تقييم الملاءة التشغيلية لجميع الوسطاء من نقطة الصفر. لا تضمن هذه البنية التحتية أن تكون عملية الشراء حصيفة، ولا أن يكون العقد عادلاً؛ بل تؤدي دوراً أكثر تحديداً وملموسية: إذ تساعد في وصول الدفعة المتفق عليها واعتبارها منجزة.
تتيح النقود أيضاً مقارنة التكاليف والإيرادات والأرباح والخسائر. وقد أطلق Mises مصطلح الحساب الاقتصادي على هذه المقارنة النقدية داخل اقتصاد يقوم على الملكية والتبادل وتقسيم العمل. ومن هذا المنظور، يعود الحساب الاقتصادي إلى أولئك الذين يقررون ما يجب إنتاجه أو شراؤه أو ادخاره أو استثماره، لا إلى البنك المركزي. تؤثر هذه المؤسسة في الوحدة النقدية وبعض الشروط المالية، لكنها لا تعرف التقييمات الذاتية الخاصة التي تولد كل قرار.
ما يقدمه البنك المركزي وما تختص به البنوك التجارية
ليس البنك المركزي مجرد بنك كبير الحجم. تتفاوت مهامه باختلاف التشريعات والولايات القضائية، لكنه يتولى عادةً تنفيذ السياسة النقدية، وإصدار النقد، وإدارة الاحتياطيات، والمشاركة في التسوية بين البنوك. وفي بعض الأنظمة، يتحمل أيضاً مسؤوليات تتعلق بالرقابة أو الاستقرار المالي. وللحصول على شرح عام لهذه الوظائف، يجدر البدء بفهم ما هو البنك المركزي.
في المقابل، تقدم البنوك التجارية خدماتها للأسر والشركات؛ حيث تستقبل الودائع، وتعالج المدفوعات، وتمنح الائتمان المصرفي. وهذا الفصل ليس مطلقاً، لأن المستويين يتفاعلان؛ إذ يمكن لقرار صادر عن البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة أو السيولة أن يعدل الشروط التي تقدم البنوك القروض بموجبها. وبدورها، تعتمد الرغبة في طلب الائتمان على قرارات وتوقعات الأفراد والشركات.
يساعد هذا التمييز على تجنب فهم مفرط في التبسيط للسببية؛ فالبنك المركزي لا يأمر بتقديم كل قرض بعينه، ولا يحدد بمفرده حجم الائتمان الذي سيصل إلى كل نشاط. إنما يؤثر في إطار يتخذ ضمنه الوسطاء والعملاء قراراتهم، خاضعين أيضاً للمخاطر والتنظيم والمنافسة والظروف الاقتصادية.
الاستقرار يساعد، لكنه لا يكفي
عندما ترتفع الأسعار بسرعة وبشكل مستمر، يصبح التخطيط أكثر صعوبة؛ إذ يتعين على المدخرين والعمال والشركات تقدير القدرة الشرائية التي ستحتفظ بها النقود، وتكلفة تجديد المخزون أو تمويل المشاريع. يهدف استقرار الأسعار إلى الحد من فقدان القدرة على التنبؤ، وهو لا يعني أن على جميع الأسعار أن تبقى جامدة؛ فالأسعار النسبية تحتاج إلى التغير لتعكس الندرة، والتفضيلات، والمعلومات المستجدة.
أما الاستقرار المالي فهو مسألة أخرى؛ إذ يشير إلى قدرة النظام المالي على الصمود أمام الاضطرابات دون حدوث تعطل جسيم في خدمات مثل المدفوعات والادخار والائتمان. فقد يوجد تضخم معتدل جنباً إلى جنب مع هشاشة مصرفية، أو بنوك قادرة على الصمود في اقتصاد يعاني من تضخم مرتفع. ولا يضمن أي من هذين الاستقرارين تحقيق النمو أو الثقة أو التعاون بصورة تلقائية، كما لا يحل أحدهما محل الآخر.
تمييز مفيد: يشير استقرار الأسعار إلى التطور العام لمستوى الأسعار؛ بينما يشير الاستقرار المالي إلى مرونة النظام وقدرته على الصمود في وجه الاضطرابات.
علاوة على ذلك، لا تعني الثقة وعداً بانعدام الخسائر؛ إذ يمكن لعملة ونظام مدفوعات يتسمان بالقابلية للتنبؤ أن يقللا من حالة عدم اليقين، غير أن القرارات الاقتصادية تظل محفوفة بالمخاطر. وتحويل "الثقة" إلى ضمانة من شأنه أن يحجب مسؤولية المشاركين وحدود أي سلطة على حد سواء.
تمكين التعاون ليس توجيهاً له
يمكن لإطار نقدي يؤدي وظيفته أن يوسع نطاق التبادلات؛ فهو يتيح لأشخاص متباعدين إبرام العقود، وللشركات التنسيق مع الموردين، وللعمال تلقي أجورهم دون الحاجة إلى علاقة شخصية مع كل وسيط. غير أن البنية التحتية لا تصنع ما يجعل التعاون ذا قيمة: الغايات، والقدرات، والمعلومات المحلية، ورضا الفاعلين.
يُعد هذا الفارق بين التمكين والتوجيه أمراً محورياً في القراءة الليبرالية؛ إذ يقوم التعاون في اقتصاد السوق على قرارات لامركزية وإشارات الأسعار. وبوسع السلطة النقدية أن تسعى لتوفير ظروف عامة تتيح لتلك القرارات التعبير عن نفسها، لكنها إذا حاولت استبدالها بتخصيص سياسي مفصل للائتمان، فإنها تخاطر بتقديم الأهداف الرسمية على حساب تفضيلات لا يمكنها الإحاطة بها تماماً.
ولا يعني ذلك أن كل إجراء نقدي يمثل تخطيطاً مركزياً للاقتصاد، بل يعني أنه يجب تقييم الإجراء بناءً على آلياته واختصاصاته وحدوده، وليس فقط بناءً على نواياه. فهناك فارق مؤسسي جوهري بين دعم نظام التسوية وبين انتقاء القطاعات التي تستحق التمويل.
السلطة النقدية والإشارات والآثار غير المتكافئة
إن تدخل البنك المركزي ليس محايداً لجميع الأطراف في كل الأوقات. وتنتقل التغيرات في أسعار الفائدة بطرق متباينة وفقاً لوضع كل فرد؛ فقد تواجه أسرة لديها رهن عقاري بسعر فائدة متغير أقساطاً أعلى، في حين قد يحصل المدخر على عائد أكبر على بعض الودائع. كما لا يتلقى ملاك الأصول، والشركات المدينة، ومن يسعون للحصول على أول ائتمان لهم، الأثر نفسه. وتعتمد النتيجة التوزيعية الإجمالية على السياق والآثار المباشرة وغير المباشرة؛ ولا يصح اختزالها في فئة تكسب دائماً وأخرى تخسر دائماً.
يرى النقد النمساوي أن التوسع في النقود والائتمان قد يشوه أسعار الفائدة والإشارات التي تنسق بين الادخار والاستثمار، مما يشجع مشاريع يتبين لاحقاً أنها غير قابلة للاستمرار. وهذا اعتراض وجيه على السلطة التقديرية، غير أنه يجب تعريفه بوصفه تفسيراً نظرياً، لا تقديمه كإجماع أكاديمي، ولا تحويله إلى جزم مطلق بأن كل توسع يدمر التنسيق.
من منظور مؤسسي، يكمن السؤال الحاسم في معرفة من يحدد الحدود وكيف تُطلب المساءلة. إن وجود تفويضات واضحة، وقواعد معلنة، وشفافية، وضوابط قانونية، يمكن أن يحد من التعسف، رغم أنه لا يقضي على الأخطاء. كما أن الاستقلالية التشغيلية لا تعني انعدام المساءلة؛ إذ تهدف إلى حماية قرارات معينة من الضغوط الآنية، لا وضع السلطة فوق القانون أو خارج نطاقه.
تحذير: الاستقرار شرط يمكن أن يدعم التعاون؛ لكنه ليس تفويضاً مطلقاً للتدخل ولا ضمانة لتحقيق نتائج جيدة.
المدلول الآخر: التعاون بين البنوك المركزية
يمكن أن تشير العبارة أيضاً إلى التعاون بين السلطات النقدية؛ حيث تتبادل البنوك المركزية المعلومات، وتطور المعايير، وتنسق الاستجابات للمشكلات العابرة للحدود. ويعمل بنك التسويات الدولية (BIS، اختصاراً بالإنجليزية) كمنتدى لهذا التعاون، ويعلن أن جزءاً من مهمته يتمثل في دعم الاستقرار النقدي والمالي العالمي.
يمكن لهذا التعاون بين المؤسسات أن يؤثر في البنية التحتية التي تستخدمها الأسر والشركات، لا سيما عندما تكون المدفوعات والمخاطر ذات طابع دولي. ومع ذلك، يظل مختلفاً عن التعاون الاجتماعي؛ فالأول يحدث بين جهات عامة، بينما ينبثق الثاني من علاقات لا حصر لها بين أفراد ومنظمات. والربط بينهما لا يقتضي اعتبارهما مترادفين.
علاقة شروط وحدود
تلتقي الصيرفة المركزية بالتعاون الاجتماعي عند النقطة التي يحتاج فيها التزام خاص إلى وحدة حساب، ووسيلة دفع، وعملية تسوية موثوقة. ويمكن لإطار نقدي يمكن التنبؤ به بدرجة معقولة أن يقلل من الاحتكاكات ويتيح تبادلات أوسع نطاقاً. وتلك مساهمة مؤسسية مهمة، لكنها محددة النطاق.
أما التعاون في حد ذاته فينبثق من موضع آخر: من أفراد يدركون الفرص، ويقبلون الاتفاقات، ويجمعون بين المعارف، ويتحملون المسؤوليات. ويتطلب التقييم السليم للبنك المركزي الحفاظ على هذه الحدود؛ إذ يجب مراقبة ما إذا كان يحمي البنية التحتية المشتركة ويحد من الاضطرابات، دون أن يحول موقعه النقدي إلى سلطة لاستبدال القرارات التي يسعى إلى تيسيرها.
مشاركة