إن الجدارة الفردية هي التقدير الذي ننسبه إلى شخص ما لقاء عمل أو قدرة أو جهد أو إنجاز يُعتبر قيّماً. يبدو التعبير بسيطاً، لكنه ينطوي على تساؤلات صعبة: ما هو السلوك الذي يستحق التقدير؟ ووفقاً لأي معيار؟ وللحصول على أي مكافأة؟ وإلى أي مدى اعتمدت النتيجة على قرارات شخصية؟
لا توجد عقيدة واحدة وثابتة تُسمى «الجدارة الفردية». بل من الأجدى فهمها بوصفها أداة تقييم: فهي تتيح الحكم على مساهمة محددة، لكنها لا تفسر بمفردها الموقع الاجتماعي الكامل لشخص ما، ولا تحدد المقدار الذي ينبغي له أن يناله.
فكرة أساسية: يتطلب الحديث عن الجدارة تحديد أساسها؛ فمجرد ملاحظة أن شخصاً ما قد حقق النجاح لا يكفي لمعرفة أي جزء من النتيجة يستحق التقدير.
ما تعنيه الجدارة الفردية
يربط حكم الجدارة بين ثلاثة عناصر: شخص، وشيء يُفترض أنه يستحقه، وأساس لاستحقاقه. هذا البناء، الذي تطور في النقاش الفلسفي حول الاستحقاق، يُلزمنا بإتمام عبارات فضفاضة للغاية من قبيل «إنها تستحق ذلك».
على سبيل المثال، قد يستحق شخص ما:
- التقدير لحل مسألة صعبة؛
- علامة مرتفعة لإثبات إتقان مادة ما؛
- أخذ ترشيحه بعين الاعتبار لمنصب معين لامتلاكه مهارات ذات صلة؛
- المسؤولية عن قرار اتخذه بحرية.
يتغير أساس الحكم في كل حالة. فقد يكون الجهد عاملاً مهماً، لكنه ليس كافياً دائماً. فالمهام المهنية قد تتطلب أيضاً الكفاءة أو النتائج أو الحرص تجاه الآخرين. وعلى النحو ذاته، لا تُثبت القدرة اللافتة أن كل مكافأة مرتبطة بها تكون عادلة.
وعليه، لا تعادل الجدارة الفردية قيمة الشخص كإنسان. فقد يُقدم المرء على عمل جدير بالتقدير دون أن يكون مثيراً للإعجاب في سائر جوانب حياته. كما أن من يخفق في تحقيق النتيجة المتوقعة يظل محتفظاً بحقوقه وكرامته.
«الفردية» لا تعني «العزلة»
تشير صفة الفردية إلى الطرف الذي ننسب إليه مساهمة محددة؛ وهي لا تدّعي أن ذلك الشخص قد تصرّف دون مساعدة، ولا أنه أنتج النتيجة برمتها بمفرده. إذ يمكن أن توجد جدارة فردية ضمن عمل جماعي.
فلنتأمل في فريق يعكف على إعداد مشروع ما: تكتشف إحدى العضوات خطأً حسابياً وتقترح تصحيحاً حاسماً. من المنطقي أن ننسب إليها جدارة ذلك التدخل، مع أن المشروع يعتمد أيضاً على عمل زملائها، وعلى الأدوات المتاحة، وعلى معارف طورها آخرون. فالحكم الدقيق هنا هو: «يستحق هذا الشخص التقدير لتحديد الخطأ وتصحيحه»، وليس «النجاح برمته يعود إليها».
وهكذا، يتطلب تحديد الجدارة الفردية تعيين حدود العمل وأساسه. وكلما اتسع نطاق المكافأة أو النتيجة المطلوب تبريرها، زادت الحاجة إلى أسباب إضافية تتجاوز الجدارة المحددة الملحوظة.
الجدارة الفردية والميريتوقراطية ليستا أمراً واحداً
يكمن الفارق الرئيسي في مستوى التحليل. فإن الجدارة الفردية هي حكم على سلوك أو صفة أو مساهمة. أما الميريتوقراطية، في المقابل، فهي مبدأ أو نظام ينظم قرارات الاختيار والمكافأة وفقاً لمؤهلات تُعتبر ذات صلة.
لنفترض أن مؤسسة بحاجة إلى توظيف شخص لإصلاح معدات معقدة؛ قد يكون تقييم المعارف التقنية والخبرة ذات الصلة أمراً معقولاً. يستخدم هذا الإجراء معايير ميريتوقراطية لاتخاذ قرار محدد. ومع ذلك، فإنه لا يجيب بمفرده عن تساؤلات أخرى:
- كيف ينبغي قياس المؤهلات؟
- هل أُتيح للجميع الوصول إلى تدريب مناسب؟
- ما هي الفوارق في الأجور التي يمكن تبريرها؟
- ما هي المناصب والمكافآت التي ينبغي للمؤسسة استحداثها؟
- كيف يتم تصحيح المعايير التي تُفضي إلى التمييز؟
يُبيّن النقاش الفلسفي حول تكافؤ الفرص أن اختيار الشخص الأكثر تأهيلاً لا يُشكّل نظرية كاملة في العدالة. فقد تطبق منافسة ما قواعد متساوية عند لحظة الاختيار، ومع ذلك تنطلق بعد مسارات تعليمية أو أسرية أو اقتصادية شديدة التباين.
فكرة أساسية: قد يكون الاختيار القائم على قدرات ملائمة أمراً معقولاً دون أن يُثبت ذلك أن كل تفاوت ناتج عنه هو تفاوت مستحق.
يؤدي الخلط بين الجدارة الفردية والميريتوقراطية إلى قفزة استدلالية غير مبررة؛ فمن عبارة «لقد أنجز هذا الشخص هذه المهمة على نحو جيد»، لا يترتب أن «هذا الشخص يستحق جميع الامتيازات التي نالها». قد يكون الحكم الأول دقيقاً ومحدوداً، في حين يسعى الثاني إلى تحويله إلى تفسير شامل لنتيجة اجتماعية بأسرها.
الجدارة ليست هي النجاح
قد يعكس النجاح الجهد، وحسن التقدير، والمثابرة؛ لكنه قد يعتمد أيضاً على ظروف مواتية، أو تعاون الآخرين، أو المعلومات المتاحة، أو شبكة العلاقات، أو مواهب موروثة أو مكتسبة، أو مجرد الحظ. ولهذا السبب، فإن النتيجة الظاهرة لا تكشف بمفردها مقدار السيطرة التي امتلكها الشخص على مجريات العملية.
فلنتخيل طالبين يتمتعان بدرجة مماثلة من الانضباط: يملك أحدهما الوقت والاستقرار والموارد الكافية، بينما يتعين على الآخر الموازنة بين الدراسة والمسؤوليات العائلية مع وصول متقطع للموارد. قد تختلف نتائجهما على الرغم من أن كليهما قد بذل جهوداً جديرة بالتقدير.
لا يُلزمنا هذا بإنكار الفاعلية الفردية، بل يفرض التزام الحذر عند استنتاج الجدارة من النتيجة وحدها. فالأدبيات حول الحظ الأخلاقي تبحث بدقة في التوتر القائم بين ميلنا إلى الحكم على الأشخاص بناءً على ما وقع، وبين الفكرة القائلة بأن المسؤولية ينبغي أن تعتمد، جزئياً على الأقل، على ما كان بمقدورهم التحكم فيه.
يميز التقييم السليم بين:
- القرارات الشخصية، مثل الاستعداد، أو الوفاء بالالتزامات، أو تصحيح الأخطاء؛
- القدرات الملائمة، التي يمكن أن تبرر اختياراً بعينه؛
- أشكال الدعم والتعاون، التي لولاها لما تحققت إنجازات كثيرة؛
- الظروف المسبقة وعوامل الصدفة، التي تضع حداً لما يمكن أن يُعزى إلى الفرد وحده.
إن إدراك هذه الفوارق لا يلغي الجدارة، بل يحول دون المبالغة فيها.
الجدارة الفردية والفردية
كما أن الجدارة الفردية ليست مرادفاً للفردية؛ إذ ترى الفردية السياسية، بوجه عام، أن الشخص وحقوقه لا يجوز إخضاعهما بلا حدود لغايات جماعية. أما الجدارة، في المقابل، فهي معيار لتقييم الأفعال أو السمات أو المساهمات.
يمكن لمجتمع ما أن يحمي الحرية والاستقلالية الفردية دون افتراض أن كل شخص يشغل المكانة التي يستحقها تماماً. وبالمثل، فإن الاعتراف بأهمية المسؤولية الشخصية لا يقتضي تجاهل التعاون، أو المؤسسات، أو الظروف المحيطة.
تكتسب هذه التفرقة أهمية لأن الحقوق الأساسية ليست مكافآت تُمنح على حسن السلوك. فلا ينبغي أن تُحجز حرية التعبير، أو الحماية القانونية، أو الإجراءات القانونية الواجبة لمن تعتبرهم الأغلبية منتجين أو موهوبين أو فاضلين.
فكرة أساسية: يعني الدفاع عن الفرد الاعتراف بفاعليته وحماية حقوقه؛ ولا يعني التعامل مع كل نجاح أو إخفاق كأنه حكم أخلاقي شامل.
منظور ليبرالي: الفاعلية الشخصية وقواعد متساوية
من منظور الليبرالية الكلاسيكية، تحتل الجدارة الفردية مكانة مشروعة. فالأفراد يختارون، ويتصرفون، ويبتكرون، ويتعاونون، ويتحملون مسؤولية القرارات التي تؤثر في الآخرين. وإن إنكار الفاعلية الشخصية بالكامل من شأنه أن يجعل من الصعب الحديث عن المسؤولية، أو الثقة، أو الوفاء بالعقود، أو التميز.
غير أن النظام المؤسسي لا يمكن أن يقوم على الجدارة وحدها. إذ تقتضي المساواة أمام القانون أن يحظى جميع الأشخاص بحماية قانونية متساوية دون تمييز، على النحو الذي تنص عليه المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ويحمي هذا المبدأ كلاً من يحقق إنجازات بارزة ومن يمر بصعوبات أو يتخذ قرارات خاطئة على حد سواء.
وتضع الحقوق الفردية حدوداً مماثلة؛ إذ ليس من الضروري إثبات التميز للحفاظ على الملكية المشروعة، أو التعبير عن الرأي، أو الحصول على محاكمة نزيهة. وبهذا المعنى، تسبق المساواة القانونية أي تصنيف يستند إلى المواهب أو المساهمات.
يمكن للمقاربة الليبرالية المتوازنة أن تتبنى فكرتين في آنٍ واحد:
- القرارات الشخصية لها أهميتها، وتستحق مساهمات معينة التقدير.
- لا يمنح أي حكم بالجدارة امتيازات قانونية، ولا يُثبت أن جميع الفروق الملحوظة عادلة.
حدود الجدارة بوصفها معياراً
تضفي الجدارة وضوحاً على النقاش حين يكون موضوعها والغرض منها محدّدين بدقة؛ لكنها تغدو إشكالية عندما تعمل بوصفها وصفاً عاماً لإضفاء الشرعية على النتائج دون تمحيص الكيفية التي نشأت بها.
قد يُساء اختيار المعايير
لا تكون الصفة ذات صلة إلا بالنظر إلى الغاية المرجوة منها. فعند توظيف شخص مسؤول عن السلامة الجوية، تكتسب كفاءات تقنية معينة أهمية كبيرة؛ في حين لا ينبغي لأصله العائلي أو آرائه السياسية أن يكون لها أي وزن. إن إطلاق وصف «الجدارة» على أي تفضيل ذاتي لدى القائم على التقييم قد يحجب وراءه تعسفاً أو تمييزاً.
ولهذا السبب، يجب أن تكون المعايير ملائمة وشفافة وقابلة للمراجعة. كما ينبغي أن تُتاح إمكانية الطعن في القياسات المعيبة.
الفرص الأولية تترك أثرها
لا يختار الأفراد مواهبهم الأولية، ولا تنشئتهم، ولا كثيراً من الفرص التي تُتاح لهم. وهذا لا يجعل ما يفعلونه بتلك المعطيات أمراً غير ذي صلة، لكنه يحد من الادعاء القائل بأن النتيجة النهائية تعكس حصرياً جدارة شخصية.
تُعد المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص معيارين مختلفين؛ فالأولى تقتضي معاملة قانونية متساوية، بينما يتساءل الثاني عما إذا كانت هناك عقبات لا صلة لها بالقدرات المطلوبة تحول دون التنافس الفعلي. وقد تحترم مؤسسة ما القاعدة نفسها شكلياً للجميع، وتظل لديها مع ذلك أسباب تدعوها لمراجعة العوائق التي تعترض سبل الوصول.
المساهمة لا تبرر أي مكافأة كانت
حتى عند وجود جدارة واضحة، تظل مسألة المكافأة المناسبة قائمة دون حسم. فالاعتراف بأداء متميز لا يحدد تلقائياً مقدار المال أو السلطة أو المكانة التي ينبغي لشخص ما أن ينالها، كما أنه لا يحوّل ذلك التقدير إلى إذن بانتهاك حقوق الآخرين.
إن الجدارة سبب يمكن أخذه في الحسبان عند اتخاذ قرار ما، وليست مفتاحاً يحسم القرارات برمتها.
متى يفيد المفهوم ومتى يعيق الفهم
تكون الجدارة الفردية نافعة حين تتيح تقييماً دقيقاً لعمل أو قدرة ذات صلة؛ إذ تساعد في تقدير الجهود، وتحديد المسؤوليات، واختيار الأشخاص لمهام تتطلب كفاءات محددة.
ولاستخدام هذا المفهوم بدقة منهجية، يجدر بنا التساؤل:
- ما الذي يخضع للتقييم على وجه الدقة؟
- ما هو أساس الجدارة: الجهد، أم المهارة، أم النتيجة، أم المسؤولية، أم غير ذلك؟
- هل يرتبط المعيار بالقرار المتخذ؟
- ما هي العوامل المهمة التي كانت خارجة عن سيطرة الشخص المعني؟
- هل تحترم المكافأة المقترحة القواعد العامة والحقوق المتساوية؟
ويُشوّش المفهوم النقاش حين يُستخدم مرادفاً للنجاح، أو مقياساً للقيمة الإنسانية، أو تبريراً تلقائياً لكل تفاوت. كما أنه يُحدث لبساً حين يحوّل تقييماً محدداً إلى تفسير كلي لحياة شخص ما.
يتوافق الاعتراف بالجدارة الفردية مع تثمين المسؤولية والتميز؛ غير أن الاستخدام الأكثر عقلانية لها يبدأ من الإقرار بحدودها: فالأشخاص يتصرفون، لكنهم لا يتصرفون بمعزل عن غيرهم ولا يتحكمون في جميع الظروف؛ والإنجازات مهمة، لكن الحقوق لا تتوقف عليها.
مشاركة