الأملاك المشتركة: ما هي ولماذا تحتاج إلى قواعد واضحة

الأملاك المشتركة هي موارد أو أعيان تستفيد منها جماعة محددة. وهي ليست أعياناً بلا مالك ولا موارد غير محدودة الاستخدام.

بقلم Daniel Sardá · تاريخ النشر:

مدة القراءة: 7 دقيقة1,535 كلمة

في هذه الصفحة · 9 أقسام

تثير الأملاك المشتركة عادةً التباساً فورياً: إذ يسمع كثير من الناس كلمة «مشتركة» فيتبادر إلى أذهانهم شيء بلا مالك، ومتاح لأي شخص، ودون حدود واضحة.

وتلك فكرة غير مكتملة. فالمِلك المشترك ليس مجرد مورد متروك لاستخدام الجميع، بل هو مِلك تعود منفعته واستغلاله إلى جماعة محددة، ويحتاج، لكي يعمل بصورة جيدة، إلى قواعد تنظم الدخول إليه، واستخدامه، والرقابة عليه، والمسؤولية عنه.

فكرة أساسية: «مشترك» لا تعني «ليس لأحد». بل تعني أن استخدام المِلك أو الانتفاع منه يعود إلى جماعة في ظل قواعد معينة.

والسؤال المهم لا يقتصر على من يظهر بصفته صاحب الحق الشكلي في المِلك؛ بل يهم أيضاً معرفة من يمكنه استخدامه، وتحت أي شروط، ومن يحل النزاعات، وما الذي يحدث إذا أساء شخص ما استخدام المورد.

ما هي الأملاك المشتركة

بالمعنى العام، الأملاك المشتركة هي أعيان أو موارد يعود حق الانتفاع بها إلى جماعة محددة. وقد تتألف هذه الجماعة من جيران، أو مستخدمين تقليديين، أو أفراد من بلدة ما، أو أشخاص يتمتعون بحق استخدام معترف به.

والمثال التقليدي على ذلك هو قطعة أرض، أو مرعى، أو أحراش، أو غابة، أو شبكة ري، أو مورد طبيعي تستخدمه جماعة ما وفق قواعد مشتركة. ولا تخضع جميع الحالات للنظام القانوني نفسه، إذ يمكن لكل بلد أن ينظمها بطريقة مختلفة.

في إسبانيا، على سبيل المثال، يتعامل التشريع المحلي مع الأملاك المشتركة بوصفها فئة محددة. وتعرفها لائحة أملاك الهيئات المحلية بأنها أملاك تابعة للدومين العام ويعود استغلالها لعموم السكان، كما تضع قواعد بشأن استخدامها والانتفاع بها. ويشير الدستور الإسباني أيضاً إلى الأملاك المشتركة ضمن نظام قانوني يستند إلى مبادئ مثل عدم جواز التصرف فيها، وعدم سقوطها بالتقادم، وعدم جواز الحجز عليها.

ويساعد هذا المثال في توضيح الفكرة، ولكن يحسن عدم تعميمها. فالفئة القانونية الإسبانية شيء، والفكرة الأوسع للأملاك التي تستغلها جماعة ما شيء آخر.

المشترك ليس هو العام، ولا الخاص، ولا المتاح للجميع دون قيد

إن الخطوة الأولى لفهم الأملاك المشتركة تتمثل في الفصل بين مفاهيم غالباً ما تختلط ببعضها.

فـالمِلك الخاص له صاحب يتمتع بصلاحيات الاستخدام والاستبعاد والتنازل والانتفاع في إطار القانون. والمنزل أو الأداة أو قطعة الأرض الخاصة أمثلة بسيطة على ذلك.

أما السلعة العامة، في علم الاقتصاد، فعادةً ما تُوصف بأنها يصعب استبعاد أحد من الانتفاع بها، ولا يقلل استخدام شخص لها بالضرورة من استخدام شخص آخر. وهذا التعريف الاقتصادي لا يعني تلقائياً «مِلكاً للدولة».

في حين أن المِلك التابع للدولة أو للدومين العام يتبع الدولة أو جهة عامة، لكن قد تكون له استخدامات متباينة للغاية: كالطرق، والساحات، والمباني الإدارية، والسواحل، والمتنزهات، أو الأصول المخصصة لخدمة معينة.

أما المِلك المشترك فيتميز بأن التركيز فيه ينصب على انتفاع جماعة محددة منه. وقد يحظى بحماية قانونية عامة، بيد أن منطقه العملي يختلف عن منطق مبنى إداري، وعن منطق مورد متاح لأي شخص كان.

والمورد المفتوح للجميع شيء آخر: إذ لا توجد هناك قواعد فعالة للاستبعاد أو الاستخدام أو المسؤولية. وإذا كان بإمكان أي شخص الدخول، والاستخراج، وترك التكلفة للآخرين، فإن المشكلة المؤسسية تصبح أشد خطورة بكثير.

وهذا التمييز مهم لسبب: فعندما يُطلق على كل شيء وصف «مشترك»، نعجز عن تمييز من يملك الحقوق، ومن تقع عليه الواجبات، ومن يتحمل مسؤولية التدهور والتلف.

لماذا تحتاج الأملاك المشتركة إلى قواعد

يمكن للأملاك المشتركة أن تكون مفيدة على وجه التحديد لأنها تسمح باستغلال موارد تعرفها الجماعة، وتستخدمها، وتحميها. ولكن هذه الإمكانية تتوقف على شرط أساسي: ألا وهو خضوع الاستخدام المشترك لقواعد تحكمه.

وتبدأ المشكلة في الظهور عندما يكون المورد شحيحاً. فإذا كان بإمكان عدة أشخاص استخدام مرعى أو غابة أو مصيدة أسماك أو شبكة مياه، فإن كل مستخدم يملك حوافز لاستغلاله. لكن إذا لم يتحمل أحد التكلفة الكاملة للاستهلاك والاستنزاف، فقد ينتهي الأمر بكل شخص إلى استخدام ما يزيد قليلاً عما ينبغي.

وهنا يبرز الارتباط بـالحوافز الاقتصادية. فإذا كافأت مؤسسةٌ ما استخراج المزيد ولم تعاقب على استنزاف المورد وتدهوره، فستكون النتيجة متوقعة: مزيد من الضغط على المِلك، ومزيد من النزاع، وقدر أقل من المسؤولية.

ولهذا السبب يحتاج المِلك المشترك إلى قواعد تعالج مسائل محددة:

  • من يحق له استخدام المورد.
  • المقدار الذي يمكن لكل شخص أو عائلة استخدامه.
  • الموسم الذي يمكن فيه الاستغلال أو الشروط التي يجري في ظلها.
  • من يراقب الامتثال للقواعد.
  • العقوبات المفروضة في حال حدوث مخالفة.
  • كيفية تسوية النزاعات بين المستخدمين.

ودون تلك القواعد، يمكن للمِلك المشترك أن ينحدر إلى وصول مفتوح للجميع. والوصول المفتوح ليس مجتمعاً: بل هو غياب للحدود الفعالة.

مأساة المشاع ورد Ostrom

روّج Garrett Hardin عام 1968 لفكرة مأساة المشاع: فعندما يستخدم عدة أشخاص مورداً مشتركاً، يمكن لكل فرد أن يكسب عند استخدامه بشكل أكبر، في حين تتوزع تكلفة التدهور على الجميع.

وهذه الصورة ذات دلالة قوية لأنها تكشف عن مشكلة حقيقية. فإذا حصل كل مستخدم على منفعة فردية من استخراج المزيد، بينما يقع الضرر على كاهل الجماعة بأسرها، فقد ينفد المورد حتى وإن لم يكن أحد يسعى إلى تدميره.

لكن هذه ليست القصة كاملة.

وقد درست Elinor Ostrom، في كتابها "Governing the Commons"، حالات واقعية لموارد مشتركة وأوضحت أن مجتمعات عديدة وضعت قواعد لتفادي الإفراط في الاستغلال. ولا يزعم عملها أن كل ملكية مشتركة تحقق النجاح، ولا يقول أيضاً إن الملكية الخاصة أو التنظيم العام لا فائدة منهما. بل إن إسهامها أكثر دقة: ثمة تنوع مؤسسي.

إذ تنجح بعض المجتمعات في إدارة الموارد المشتركة وحوكمتها عندما تتوافر شروط مثل وضوح الحدود، ومشاركة المستخدمين، والرقابة، والعقوبات المتدرجة، وآليات تسوية النزاعات. بينما تفشل مجتمعات أخرى. والفرق هنا لا يكمن في كلمة «مشترك»، بل في جودة القواعد والمؤسسات.

أمثلة على الأملاك المشتركة والموارد المتقاسمة

تختلف الأمثلة باختلاف البلد والإطار القانوني. ومع ذلك، تساعد بعض الحالات في تصور هذه الفكرة:

  • المراعي التي يستخدمها سكان بلدة ما أو عائلاتها.
  • الأحراش أو الغابات ذات الاستغلال الجماعي للأخشاب أو الثمار أو الرعي.
  • شبكات الري التي يتولى صيانتها مستخدمون يعتمدون على القناة أو مصدر المياه نفسه.
  • مصائد الأسماك التي تتقاسم فيها عدة قوارب مورداً محدوداً.
  • الأراضي المشتركة التي تنظمها أعراف معترف بها أو قواعد محلية.

ليست كل هذه الأمثلة «أملاكاً مشتركة» بالمعنى القانوني الدقيق. فبعضها موارد مشتركة بالمعنى الاقتصادي. وهذا الفارق الدقيق مهم: إذ ينبغي ألا يحول المقالُ فئةً قانونيةً إلى مجرد لافتة تُطلق على أي مورد متقاسم.

وإذا نُقل الأمر إلى واقع الحياة اليومية، فإن السؤال المجدي هو: هل توجد جماعة محددة تتمتع بحقوق وواجبات واضحة، أم أن هناك مورداً معرضاً لاستخدام أي شخص دون مسؤولية كافية؟

ما الذي تقدمه رؤية الليبرالية الكلاسيكية

من منظور الليبرالية الكلاسيكية، لا تتمثل النقطة المحورية في نفي أي شكل من أشكال الاستخدام المشترك، ولا في إضفاء طابع رومانسي عليه. بل إن النقطة ذات طبيعة مؤسسية: الموارد الشحيحة تحتاج إلى حقوق واضحة، وقواعد عامة، ومسؤولية عن العواقب.

إن الملكية الخاصة مؤسسة قوية لأنها تركز الحقوق والتكاليف والمنافع لدى ملاك محددين. لكن ليست كل الترتيبات الإنسانية تقتصر على ملكية فردية بسيطة؛ فهناك أيضاً جمعيات، وملكية مشتركة للعقارات، وأشكال تعاون طوعي، ومجتمعات محلية، وأنماط استخدام متقاسم تحكمها القواعد.

والسؤال الليبرالي يتسم بالدقة والصرامة: هل يحمي هذا الترتيب الأفراد من التعسف؟ وهل يحدد المسؤوليات؟ وهل يحد من التعسف؟ وهل يتيح تسوية النزاعات دون تحويل المورد إلى غنيمة سياسية؟

وهنا يظهر الارتباط بـسيادة القانون وبفكرة أن السوق الحرة تحتاج إلى قواعد عامة. فالحرية لا تقتضي غياب القواعد، بل تتطلب قواعد معلومة ومستقرة وعامة وتُطبَّق أيضاً على من يملكون السلطة.

خطر تسييس الأملاك المشتركة

يمكن للمِلك المشترك أن يتدهور بسبب سوء الاستخدام الفردي، ولكن أيضاً بسبب الاستحواذ السياسي. فعندما تسيطر سلطةٌ ما على المورد دون حدود واضحة، يمكنها توزيع المنافع على الحلفاء، ومعاقبة الخصوم، أو استخدام المِلك أداةً للسلطة والنفوذ.

ويرتبط هذا الخطر بـإخفاقات الدولة. فقد يكون التدخل العام ضرورياً في بعض السياقات، ولكن لا ينبغي افتراض أن الدولة تصلح الأمور دوماً بصورة أفضل من المستخدمين المحليين أو من المؤسسات الأهلية.

ويحسن أيضاً التمييز بين التنظيم المشروع وبين التدخل الاقتصادي التعسفي. فتنظيم مورد مشترك يمكن أن يحميه؛ أما استخدامه أداةً للسيطرة السياسية فيمكن أن يدمر الثقة، ويضعف التعاون، ويحول المِلك المشترك إلى مصدراً للنزاع.

ولهذا السبب تكتسب الجودة المؤسسية أهمية تماثل أهمية الملكية الشكلية؛ فالمورد المشترك يحتاج إلى قواعد، بيد أن تلك القواعد يجب أن تقيد أيضاً القائمين على إدارته.

أمور ينبغي تجنب الخلط بينها

ولإحكام هذا المفهوم، يجدر توضيح عدة فوارق:

  • المِلك المشترك ليس بالضرورة مِلكاً بلا صاحب.
  • المِلك المشترك لا يعني تلقائياً أنه متاح بحرية لأي شخص كان.
  • المِلك المشترك لا يعادل دائماً السلعة العامة بالمعنى الاقتصادي.
  • المورد المتقاسم لا يفشل حتماً، لكنه لا يُحفظ أيضاً بمجرد النوايا الحسنة.
  • الملكية الخاصة، والإدارة المجتمعية، والتنظيم العام ترتيبات متمايزة؛ وكل منها يمكن أن ينجح أو يفشل وفقاً لقواعده.

والخطأ الشائع يتمثل في مناقشة هذه القضايا وكأنه لا يوجد سوى خيارين: إما الخصخصة الكاملة أو السيطرة التامة للدولة. غير أن التجربة التي درستها Ostrom تشير إلى ما هو أكثر إثارة للاهتمام: إذ توجد مؤسسات وسيطة ومحلية وتشاركية يمكن أن تعمل عندما تُصمم تصميماً جيداً.

وهذا لا يلغي الحاجة إلى الملكية أو الحدود أو المسؤولية، بل يعززها على العكس من ذلك.

الأملاك المشتركة: مؤسسة وليست شعاراً

تُظهر الأملاك المشتركة أن مشكلة الملكية لا تُحل بالتسميات. فالقول بأن الشيء «مشترك» لا يكفي لمعرفة ما إذا كان المورد سيحظى بالعناية، أو يتعرض للإساءة، أو يخضع للتسييس، أو يُحافظ عليه.

فالأمر الحاسم هو الترتيب المؤسسي: من له الحق في استخدام المِلك، ومن يُستبعد منه، وما هي الحدود، وكيف يُراقَب الامتثال، وما هي العقوبات القائمة، وكيف تُحل النزاعات.

وعندما تكون تلك القواعد واضحة، يمكن للمِلك المشترك أن يجسد التعاون والمسؤولية والحياة المجتمعية. أما عند غيابها، فقد ينقلب إلى وصول مفتوح للجميع، أو استنزاف مفرط، أو غنيمة سياسية.

باختصار: لا تتعارض الأملاك المشتركة بالضرورة مع الحرية. لكنها لا تتوافق مع المجتمع الحر إلا إذا خضعت لقواعد واضحة، وحقوق محددة، ومسؤولية حقيقية، وحدود تقيد السلطة.

عن الكاتب

دانيال ساردا متخصص في تحسين محركات البحث ومحرر Libertatis Venezuela. يكتب عن الليبرالية والاقتصاد السياسي والمؤسسات والدعاية والحرية الفردية من منظور مستقل وغير حزبي.

قراءة الملف الكامل